كاميرا حالمة

2006-06-20

كاميرا حالمة

سمر يزبك

خاص – صفحات سورية –

ربما لم تعرض شاشات التلفزيون، حتى وقت قريب فيلماً، أو برنامجاً وثائقياً أنصف الطبيب والثائر الأرجنتيني، أرنستو تشي غيفارا، كما فعل فيلم " فدائي حتى النهاية " والذي عرض على قناة الجزيرة مؤخراً، كان اسم تشي غيفارا، الرمز الأكثر نبالة لحلم الثوار بعالم أكثر عدالة، رغم محاولات الميديا الأمريكية، من خلال البرامج والأفلام الوثائقية والسينمائية_ كان واحداً منها من بطولة النجم العربي عمر الشريف

_ أن تجعل منه، رجلاً خارجاً عن القانون، إلا أنها لم تستطع محو الصورة الحقيقة للحياة التي عاشها غيفارا، فالفيلم قارب حياته بهدوء غير مفتعل، وكأنه جّدة مسّنة، تمارس فعل الحكاية، المعتادة للأحفاد قبل النوم، عبر تواضع مبالغ في الإحجام عن ضخ المقولات الأيديولوجية، والذي كان بالتأكيد من حسنات الفيلم الرئيسية،

الفيلم بحث أيضاً في أسباب ضياع الحلم، أو هكذا بدت الكاميرا وهي تفصّل أدق ما في حياته، حميمة ونضالاً، بحثت الكاميرا عنه في عيني ابنته الطبيبة، التي لا تذكره، إلا كخيالات تائهة، وفي عيون أعدائه قبل

أصدقائه، الذين كانوا يسبلون جفونهم خجلاً من عين الكاميرا، وهم يتخيلون مشاهداً افتراضياً يزدريهم، ثم تنتقل الكاميرا إلى اليوم الذي أبحر فيه مع مجموعة من الثوار في أواخر ستينات القرن الماضي، باتجاه كوبا، لإسقاط حكم الديكتاتور باتيستا، ومن ثم تخليه عن منصبه في حكومة فيدل كاسترو، بعد نجاح الثورة في كوبا، وغيابه في إفريقيا، بحثاً عن ثوارت جديدة، وعودته ليموت مقتولاً، على أيدي الإستخبارت الأمريكية. لم يغفل الفيلم أي جانب من جوانب حياته، أضاءها بحيادية، والأشخاص الذين تحدثوا عنه، كانوا أشبه بأرواح قادمة من زمنه، ولا تشبه زمننا الحالي، عدا عن ابنته التي كانت تقول للكاميرا: أنا فخورة به، وحيادية الفيلم هي ميزة أخرى تضاف إلى ميزاته، لأنه قرأ التاريخ دون تطرف، وحاور عدة أطراف كانوا على علاقة وثيقة بعالم الثورات والأحلام التي عاش لأجلها غيفارا. الكاميرا التي حاولت إضاءة الإبهام والتنكر الخفي في حياته

وأحلامه، تقمصت شيئاً يسمونه الآن، رومانسية الحلم الثوري، وصورت لنا مشاهد غاية في الجمال البصري والتقني، ربما كان ضروريا جداً في هذا الزمن، الذي تدور فيه الكاميرات المعلبة، المثلجة، تحت شعارات سياسية، وحملات إعلامية دعائية، فالكاميرا ليست آلة فقط، إنها روح أيضاً، وهي روح تختلف من عين إلى عين، ومن قبضة يد إلى أخرى، ولأن الفيلم لم يحاول تمرير مقولات سياسية و أخلاقية ، فقد مارس ودون أدنى تصميم، سطوته علينا، وهي سطوة النزاهة في تقديم الصورة الحقيقة، التي تمس ما يحدث، وما حدث على أرض الواقع، أوعلى على الأقل طرح الفيلم تساؤلاً، وجواباً في آن واحد: لا بد للقيم النبيلة أن لا تمر مرور الكرام في حياتنا، رغم التاريخ المزور، فالكاميرا صارت تحتمل أكثر من وجه، ووجهها الحالم الآن، تبدى في عين غيفارا، العين التي لم تنم أبداً، رغم الموت.

القمع التافه

القمع التافه

ناهد بدوية

خاص – صفحات سورية –

يبدو أننا نشهد في هذه الأيام قمعا من نوع جديد لم نألفه من قبل. قمع من النوع التافه.

طبعا من النافل القول أن كل أشكال القمع مرفوضة وأنها بالمحصلة تدل على هزالة القامع الذي يلجأ إلى هذه الوسيلة. ولكن هناك قمع يولد عندك احساس بالغضب والثورة وهناك قمع يولد عندك احساسا بالتقيؤ.

القمع الحالي الذي يدور في سورية هو من النوع الثاني. وهكذا كان شعوري عندما علمت بفصل احدى عشر موقعا على اعلان بيروت دمشق.

كيف يمكن أن يخسر المرء عمله لأنه وقع على بيان؟ وإلى أي درك وصلت سورية في هذه الأيام.

في السابق كان سبب الاعتقال الانتماء لحزب سياسي والآن سبب الاعتقال هو التوقيع على بيان يطالب بتحسين العلاقة مع الجيران.

في السابق كان المعتقلون يساوَمون على الانسحاب من الحزب والآن يساوَم المعتقلون على سحب توقيعهم من بيان حول الجيرة.

في تجربة الاعتقال السابقة التي مررت بها كان شعوري أنني أنتمي إلى حركة سياسية وأقاوم سلطة غير متوافقة معها، وكنت أعتبركل أشكال مقاومة القمع فعل سياسي مقاوم في مواجهة فعل سياسي قامع لذلك كنت أفتخر أنني مناضلة. في الاعتقال الثاني أي عند اعتقالي كعضو في مجلس ادارة منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي كان شعورا مختلفا كليا عن المرة الأولى كان شعوري بالقرف هو الطاغي وكان إحساسي بالغرابة والاستنكار والخجل من استمرار هذه الأساليب حتى هذا اليوم الذي أصبحت حتى في بلدان مجاهل افريقيا نوعا من الماضي البغيض. كنت انظر إلى الضباط وأشعر أني لا أستطيع تقبل منهم أي فعل إلا فعلا واحدا ووحيدا: أن يرحلوا...............

والآن عدت ومع سماعي لخبر فصل احد عشر موقعا عدت أتساءل لماذا لا يرحلون؟ وفورا وبدون أي تضييع وقت على سورية المسكينة التي تم تشويهها بما فيه الكفاية، و كفى تضييع الوقت على الناس السوريين الذين عانوا أكثر من أي شعب آخر، ولا ينقصهم الآن التسريح التعسفي من وظيفة هي أصلا لم تكن تنصفهم ماديا ومعنويا.

لينا وفائي من دفعتي في كلية الهندسة وكنا معا أيضا في مؤسسة الإسكان العسكرية وكنا معا في السجن أيضاً. ولكني أنا فيما بعد استقلت من الدولة لقناعتي بأن لا مستقبل لنا نحن في قطاع الدولة. وأنشأت مكتبي الهندسي الخاص وأدركت في مكتبي الخاص كم كانوا يسرقون جهدنا كمهندسين موظفين وكان وضعي أفضل من الوظيفة. أما لينا فقد أبت إلا أن تظل في قطاع الدولة "تخدم وطنها!!" وهي مهندسة نشيطة بشهادة الادرات المتعاقبة التي عملت معها. ولكن لينا دخلت ساحة محرمة على السوريين نعم كيف تجرأت وأبدت رأيها بعلاقات الجيرة مع لبنان؟؟ العلاقة بين المزرعتين الخاصتين واللتين لا علاقة لنا بهما؟ نعم يجب أن تخرج من الجنة.

تحولت كل الأماكن إلى جحيم ومع ذلك نطرد منها!!!

الحقيقة أن الجحيم اكتمل عندما تم تحويل المعتقلين السياسيين إلى القضاء المدني. نعم لقد كانت النهاية الفعلية لسورية كبلد وكوطن وإعلانها كجحيم. إذ أن القضاء هو ترمومتر الحياة في أي بلد. وكلنا يعرف أن القضاء عندنا غير مستقل والكثير من القضاة مرتش. ولكن أن يصبح القاضي تحت أمرة رجل المخابرات مباشرة فهذا تدهور جديد نحو الدرك الأسفل. وكنت أحلم أن يرفض القضاة التورط في المحاكمة وأن يصدروا أمرا بإخلاء سبيل المعتقلين لعدم وجود المبرر القانوني لاعتقالهم. هل هذا حلم مستحيل؟؟ لماذا لم يفعل القضاة ذلك؟؟ ألم يكن ذلك حري بأن يخفف قليلا الشعور بالغثيان عند الشعب السوري؟؟ كيف يمكن للناس بعد الآن أن يسلموا هؤلاء القضاة مصالحهم وأرزاقهم وأحوالهم الشخصية بعد أن رضوا بأن يكونوا مجرد منفذين صغار عند رجال الأمن؟؟ لمن سيلجأ الآن المسرحون الجدد؟؟ أليس تعريف الجحيم الحقيقي هو أن تظلم في نفسك ومالك ورزقك ولا يكون عندك قضاء مستقل تستطيع أن تلجأ اليه.

المعارضة ......أسيرة الذهنية الوطنية

المعارضة ......أسيرة الذهنية الوطنية

سمير خالد الحسن

خاص – صفحات سورية –

قد لا تختلف اعتقالات ومحاكمات دمشق الأخيرة عن تلك التي كانت تتم بين الفينة والأخرى من زاوية استهدافاتها التي تتركز في ضبط حركة المعارضة السياسية وإعادة تقييدها وعدم السماح لها بالنفاذ إلى حقل الحضور العلني المسلم به من جهة السلطة. ولكنها أفضت هذه المرة، مع اتساعها، إلى تقليص التباعد في الرؤية، بين كافة أطراف المعارضة السورية، لدرجة الممانعة التي يبديها النظام السوري لأية إصلاحات سياسية. خاصة وأن بعض الحالات التي تم اعتقالها مؤخرا لم يشفع لها اتساع وتعدد دوائر لقائها الموضوعي مع النظام بفعل الذهنية الوطنية المستقرة لديها.

ويأتي البلاغ الصادر عن اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق بتاريخ 12/06/2006 ليعكس حالة متقدمة من التقارب بين قوى المعارضة على أرضية رفض خطاب النظام السياسي وادعاءاته وسياساته الداخلية والإقليمية، وليؤكد بوضوح ملفت أن الموجه الوحيد لحركة السلطة هو مصالح فئة ضيقة ماتزال متشبثة بذات الطرائق التي وفرت لها السيطرة التامة سنوات طويلة.

غير أن هذا التقارب الذي يسهم في إحداثه بالدرجة الأولى سلوك النظام - على أهميته - من المبكر اعتباره أساسا أو منطلقا نحو التوصل إلى تفاهمات أعمق بين أطراف المعارضة تنبع ضرورتها من الإدراك الأعلى بأن الإسهام في عملية التغيير والإنتقال من بنية مغلقة إلى بنية ديمقراطية لن تحلها توافقات اللحظة السياسية الراهنة، بل التوافقات الأبعد التي تستند إلى رؤية مشتركة لطبيعة النظام ودرجة القطع معه، وأيضاً محتوى التغيير المطلوب وقواه.

فبلاغ لجنة إعلان دمشق، وبرغم توصيفه الدقيق وغير الملتبس، هذه المرة، لسياسات النظام الإقليمية، يتردد في تحديد دائرة التناقض التي تخص النظام السوري وحده في علاقته مع الخارج، ويمتنع عن التمييز الدقيق بين رؤية النظام لماهية الإستحقاقات الدولية في الحقل الإقليمي وبين رؤيته هو، مكرسا بذلك حالة التداخل القائمة بين خطابي المعارضة والسلطة بصدد أكثر الموضوعات حيوية وتأثيراً على مجريات الأحداث في المنطقة، وبصورة تبدو معها اللاعقلانية التي تسم سياسات النظام، من وجهة نظر المعارضة، وكأنها مجرد تعبير عن مقاربات خاطئة لمشكلات المنطقة يمكن تصويبها. بينما نعتقد أن المسألة باتت تتعدى بأهميتها هذه الحالة وأن هناك ثمة قناعة بأن مخاطر سياسات النظام الإقليمية تتأتى من تفارقها الكامل ليس مع مصالح الشعب السوري فحسب، وإنما أيضاً مع مصالح شعوب المنطقة كونه يعمل بصورة محمومة على نقل عناصر أزمته إليها، ويربط استقرار بلدانها بمصيره مستعينا بأساليبه المعهودة التي يغلفها خطاب لايزال يوظف بفعالية عالية لتفادي العزلة الداخلية والعربية بعد أن بات يواجه عزلة دولية شديدة.

ولا نميل، هنا، في تفسير هذا التردد إلى الرأي الداعي لعدم إغفال وزن وفاعلية الدوافع البراغماتية التي تصاحب بالضرورة عمل المعارضة السلمية والعلنية في بلد يحتل القمع فيه المكان الأبرز في إدارة الحياة العامة بكافة جوانبها، بل نراه يكمن في الذهنية الوطنية المسيطرة عند المعارضة وطريقتها في فهم العلاقة بين الذات الوطنية بكل مكوناتها ومحدداتها وبين الآخر بكافة أشكال تمظهره. فإن كانت الذات تستحضر معالمها بدلالة العلاقة مع الآخر، فمن الأهمية بمكان إعادة قراءة تطورات وأحداث المنطقة والعالم لتحديد الثابت والمتغير على هذا الصعيد، لا الإرتكاز الأزلي على الفرضية القائلة بأن السياسات المتبناة من جانب الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي، وبالأخص أميركا، تحددها استراتيجيات تقف دوما على النقيض من مصالح مجتمعاتنا، وتعيد كثافة الحضور الأميركي إلى حجم المصالح الإقتصادية والسياسية التي تقف خلفه وليس، في جانب أساسي منه، إلى السياسات التي تعتمدها أنظمة محددة بعينها لتفادي انهيارها.

وفي ظل تركيز هذه الذهنية على الموقف من الخارج بوصفه مصدر الخطر الأشد وليس الإستبداد بأشكاله الأكثر افتضاحا، فإن قضية الديمقراطية تتوضع لديها بالكيفية التي تجعل إمكانية الإرتداد عن البرنامج الناظم لها أمرا وارداً طالما أنها تميل إلى تغييب رؤيتها لمستوى التعارض بين النظام والمجتمع في سياق المواجهة مع الخارج وبالأخص، عندما تتخذ الضغوط التي تمارس أشكالاً فاعلة وأكثر تعبيراً عن رفض النظام العالمي لبقاء النظام في سوريا على صورته الراهنة.

إن الذهنية الوطنية المستقرة لدى معظم أطراف إعلان دمشق ترسم الإطار العام لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا إنطلاقا من مكونات المسألة الوطنية المحددة في وعيها الخاص وتَعتبر تلك المكونات مرجعيتها الأولى في تقرير فهمها الملموس للديمقراطية. وإلا فما معنى أن ترفض قوى إعلان دمشق، من حيث المبدأ، فكرة الإستقواء بالخارج ؟ أيعود هذا الرفض لثقة المعارضة بقدرتها على إنجاز المهام الديمقراطية بقواها الذاتية ؟ أم أنه تعبير عن حالة الضعف التي تمر بها واضطرارها للإبقاء على عناصر رؤية مشتركة مع النظام لتفادي خوض مواجهة سافرة معه ؟ أم أن الأمر يعود حقاً لسيطرة تلك الذهنية - وهو مانرجحه - خاصة وأن كافة المظاهر السياسية تنفي صحة الإحتمالين الأولين، فالمعارضة لاتخفي فشلها وحتى عجزها عن تحقيق نجاحات ذات معنى في حقل الإصلاح، وبالمقابل هي لاتظهر انصياعا لرغبة النظام بالقطع مع حركة الإخوان المسلمين وجبهة الخلاص، أي أنها ليست معنية كما يبدو باعتبارات النظام وحساباته الخاصة بالقدر الذي هي معنية بتأكيد منطقها.

والتعرض لذهنية المعارضة ليست الغاية منه التنويه إلى أهمية الإنتقال إلى منظومة معرفية أقل التصاقا بالأيديولوجيا، على اختلافها، إنما التأكيد على أن عملية التغيير في سوريا ترتهن بأحد أبعادها لخطاب المعارضة الذي نعتقد أنه ينبغي أن يخضع لمراجعة عميقة تطال أسسه الفكرية والسياسية في ظل واقع جديد يواجه فيه الموروث في الفكر السياسي معضلة هضم المستجدات الفكرية والسياسية والإقتصادية، مثلما يسعى فيه الحديث أو المكتسب إلى تأكيد أحقيته في الحضور. فمن الأهمية بمكان مقاربة ملامح العالم الجديد الذي باتت تسكنه تناقضات مغايرة لتلك زمن الحرب الباردة، وما لم نتوصل إلى أن مصالح مجتمعاتنا تقتضي الإنخراط في النظام العالمي بمفاهيمه وعلاقاته واعتماد أدواته في معالجة التناقضات حيث نكون طرفا بها، فالنظام السوري، الذي يدافع عن سلطته بأكثر الأشكال فتكا وأدناها مشروعية، يكون قد ضمن طرفا أساسيا في معركة البقاء التي يخوضها، حتى وإن كانت عملية التغيير التي يتطلع إليها المجتمع السوري بقواه وفعالياته يصعب تصورها بعيدا عن دور أساسي للمجتمع الدولي وبعيدا عن القناعة العميقة بأن ثمة مسؤوليات دولية إزاء ما يحدث في سوريا.

19/06/2006

أيــام في الشــام

أيــام في الشــام

إبراهيم أصلان

غادرنا دمشق في طريقنا لتناول الغداء في بلودان‏(‏ يذكر الجميع هنا أنه مصيف عبدالوهاب‏),‏ كنا في رفقة الصديقة الجميلة ميرنا مسرة والروائي السوري خليل صويلح صاحب‏(‏ وراق الحب‏)‏ وصديقتنا إسلام عزام من الأهرام الدولي‏.‏ قبل صعودنا إلي بلودان كنا دخلنا أرض ميسلون ويذكرني الصديق خليل بما جري في المكان‏,‏ هنا كانت معركة ميسلون في‏24‏ يوليو‏1920‏ بين ما توافر من قوات للشهيد الكبير يوسف العظمة‏,‏ وبين الجيش الفرنسي بقيادة جورو الذي كان في طريقه لدخول دمشق بعدما انتهي من لبنان‏.‏ يوسف العظمة باعتباره وزيرا للدفاع كان اتخذ قرارا بالانتقال بقواته القليلة ليصد القوات المكونة من دبابات وعربات مصفحة وجيش الكبير‏,‏ وعندما قيل للعظمة ان الأمر جنوني بسبب من عدم التكافؤ‏,‏ قال‏:‏
حتي لا يقال إن الأعداء دخلوا دمشق من دون مقاومة واستشهد في المكان مع قواته‏.‏

وبرغم أنني كنت سافرت إلي هنا وهناك‏,‏ فإنني لم أكن قد رأيت دمشق من قبل‏,‏ وكنت تلقيت الدعوة من كيان أهلي وليد يدعي‏(‏ دارة الفنون‏)‏ يديره بشار زرقان وذلك للمشاركة في أسبوع افتتحه محمود درويش أعقبه غناء ارامي قديم‏,‏ ثم رقص تعبيري لراقصة هندية‏,‏ ثم قراءات شعرية شارك فيها العزيز قاسم حداد من البحرين والأصدقاء هيام بارد من لبنان ولينا الطيبي من سوريا وهدي الدغفق من السعودية‏,‏ وفي الأمسية الثالثة كان لقاء مع كاتب هذه السطور بمشاركة الروائي السوري ممدوح عزام ثم ليلة احياها نصير شمة‏,‏ وبشار كان قد دعا ليلة الافتتاح وجهاء ولم يدع كتابا‏,‏ وقوبل ذلك بما يستحق من استنكار‏.‏

وأنا سافرت إلي دمشق بانطباعات خلفتها الأحوال التي تكونت لدينا من أوضاع كان اخرها اعتقال المفكر البارز ميشيل كيلو الذي ارتبطت باسمه عملية احياء لجان المجتمع المدني في سوريا‏,‏ وعلي خلفية من بيان أصدره عدد مهم من المثقفين العرب يتقدمهم أدونيس استنكارا لاعتقاله غير المفهوم وهو كان يجلس في مقهي الروضة حيث جلسنا برفقة عدد من المثقفين السوريين واخرين بينهم مفكرنا مصطفي الحسيني الذي التقيته مصادفة بالحجرة المجاورة لحجرتي بنفس الفندق إلا ان دمشق بدت حرة ورخية وجميلة‏.‏
المدن تبدو هكذا لزائريها من غرباء لا يشتبكون في شأن مباشر في المناطق التي كنا فيها علي الاقل كثرة المطاعم تذكرك ببلاد اخري والطعام طازج وفي المتناول والعربات في أحدث موديلاتها تدرج علي الطرقات الضيقة والحواري المزدحمة الأمر الذي يدعو إلي كثير من التساؤل والدهشة‏.‏

استطيع القول انني كنت واسلام وصديقنا سيد محمود الذي جاءنا من البحرين في ضيافة الصديقة ميرنا مسرة التي طافت بنا دمشق وضواحيها‏,‏ وفي رعاية من الصديق الروائي خالد خليل واخرين وفي‏(‏ باب توما‏)‏ التقينا مصادفة بالكاتب السوري محمد كامل الخطيب الذي دعانا إلي مقهي‏(‏ النوفرة‏)‏ علي مرأي من مدخل الجامع الأموي ومرقد صلاح الدين وفي سياق حديثه يذكرنا الخطيب بالمثل القائل‏:‏ الشام شامك‏,‏ اذا الزمان ضامك وفي المساء كنا برفقة خالد خليل اعلي جبل قيسون وأنا القادم من المقطم تذكرت ما قرأناه في مخطوط قديم من ان المقطم كان قد بكي بين يدي الجلالة فقال‏:‏ لماذا تبكي يامقطم؟

قال‏:‏ لقد خلقتني أقرع بينما خلقت قايسون اخضر‏.‏
قال‏:‏ سنبعثك يوم القيامة أخضر‏.‏

وسوف تدعي للعشاء في بيت رولا مسئولة الفندق‏,‏ وفي مقهي القصبجي الضيق الساهر حتي الصباح ستلتقي بشباب مثقف من الرجال والنساء وهو يشبه اماكن تجمع المثقفين في ليل القاهرة في ليل القاهرة سوف تلمس الكآبة وقد أكلت مساحات من طاقة المرح التليدة‏,‏ وفي ليل دمشق سوف تستمع إلي زياد النحات وخالد وخليل وجورج وسيدات وهم يغنون جماعة لعبد المطلب وقنديل وليلي مراد‏,‏ ويرددون ماردده الشيخ امام من كلمات نجيب شهاب الدين‏:‏باحلم بيومنا‏,‏ وانت ايدك في ايدي‏/‏ باحلم وحلمي‏,‏ قد ما أنت تريدي‏/‏ قد الحلال‏,‏ قد القمر ويزيدي‏/‏ قد الهموم اللي تبات شغلانا‏.‏

ودمشق مازالت مثقلة بخضرتها وتاريخها العريق مثل امرأة فتية مثقلة بحليها وفتنتها‏,‏ تقف في مفترق من الطرق‏,‏ وحيدة‏,‏ بثوبها البيتي القديم‏.‏

الاهرام

سجناء بلا حدود

سجناء بلا حدود

هيثم مناع

أطباء بلا حدود، معلمون بلا حدود، محامون بلا حدود، صحافيون بلا حدود.. دخلت كلمة "بلا حدود" القاموس اليومي باعتبارها مرتبطة بفكرة النجدة للأشخاص أو الجماعات البشرية المنكوبة أو المنتهكة حقوقهم، وبهذا المعنى أخذت بعدا إيجابيا في الوعي العام. غير أن الوضع البشري عودنا على توظيف المفاهيم أو تحريف الأوضاع بشكل نعيش فيه الفكرة في حالات سلبية ومظلمة تنغص على من يحبها النقاء الأولي الذي نشأت معه.

بهذا المعنى نتمنى أن يكون العنوان صرخة رفض لوضع قائم أكثر منه محاولة وصف لظاهرة خطيرة جدا أصبحت من مقومات "الحرب على الإرهاب".

لا يعود الفضل في وجود سجون سرية دون حدود الجنسية إلى الإدارة الأميركية، فسمعة السجن 1391 سبقت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. هذا الحصن الإسمنتي المزروع على تلة تشرف على أحد "الكيبوتزات" في إسرائيل، تحجبه كلياً جدران عالية متسترة بأشجار السرو.

مبنى السجن 1391 قريب من "الخط الأخضر" وهو لا يظهر على الخرائط، كما أنه حذف من الصور الجوية، وقد أزيلت مؤخراً اللوحة التي تحمل رقمه، ومنعت الرقابة على وسائل الإعلام كل إشارة إلى موقعه الجغرافي باسم السرية.

أما ما يجري داخل جدران "المبنى 1391" فيعتبر خرقاً أكثر فداحة للقانون الدولي، إذ إنه لم يخضع لأي عملية تفتيش مستقلة حتى من جانب الصليب الأحمر.

وباستثناء قلة قليلة من كبار المسؤولين في الحكومة وفي الدوائر الأمنية، لا أحد يعرف عدد الأشخاص المعتقلين في المبنى 1391. وفقا لأكثر من منظمة حقوقية، ثمة عدة سجون من هذا النمط متحركة وفق الطلب في الدولة العبرية.

في الأيام الأولى لحرب أفغانستان أنشأت القوات الأميركية في صحراء قندهار "سجنا بلا حدود" جرى نقل عدد من المعتقلين من كل الجنسيات إليه من داخل أفغانستان ومن سجن مؤقت في باكستان (بطائرة عسكرية أميركية وفي ظروف لاإنسانية).

كذلك كانت القوات الأميركية تشتري من يتم المقايضة عليه من "الأفغان العرب" بأسعار مختلفة تنزل أحيانا إلى 50 دولارا لتزجهم فيه. ولدينا أسماء عدد من السجناء الأفغان الذين ماتوا تحت التعذيب فيه.

ووفق شهادة مسجلة لخالد بن مصطفى -الفرنسي الذي باعته السلطات الباكستانية للجيش الأميركي- كانت القوات الأميركية تضع المعتقلين تحت المطر في يناير/كانون الثاني مكبلين على بطونهم يتلقون الضربات والركلات كلما حاولوا الحركة. "كل الاعتداءات كانت عادية بما في ذلك التحرش الجنسي، الكهرباء، التعليق من السطح، الحرمان من النوم والطعام، قضاء الحاجة كان في سطل واحد مخصص لـ50 إلى 60 معتقلا، الأغطية التي توزع علينا قذرة مليئة بالبق والحشرات، والاستجواب لا يتوقف".

هذه بعض مواصفات هذا السجن الذي تقاسم مع سجن بغرام عمليات الاستجواب منذ ذلك الحين لأشخاص تم اقتيادهم من عدة بلدان ضمنها أقطار عربية.

يشكل معتقل غوانتانامو أكبر تجمع للسجناء وفقا للجنسية في العالم، فقد فاق عدد البلدان التي ينتمي لها السجناء 42 بلدا من أربع قارات. وما زال عدد الذين يقبعون في غوانتانامو يقارب الـ500 للعام الخامس دون وضع قضائي مقبول في القوانين الدولية والالتزامات الأميركية.

"إن كان سجني مظلمة، فسجن سامي الحاج ظلم مضاعف، أنا توجهت إلى أفغانستان بفضول التعرف على إمارة طالبان، هو توجه لها ضمن نطاق عمله، وقد اعتقل مع الكاميرا والمعدات التقنية ملبسا بجرم مهنته، ورغم كوننا في السجن نعاني نفس الظروف كنت أخفف عنه لأنني على يقين بأن وضعه النفسي أصعب، لا يوجد أكثر من الظلم هكذا سببا للألم" يقول خالد بن مصطفى الذي أمضى وقتا طويلا مع سامي الحاج في غوانتانامو قبل أن يفرج عنه.

في شهادة لمعتقل سابق مقدمة للجنة العربية لحقوق الإنسان "كم جرى اقتيادي لغرفة صغيرة فيها مكبرات للصوت تناسب ملعبا لكرة القدم. كنت أوضع مكبلا على ظهري وتوجه أضواء كاشفة قوية على عيوني مع أصوات غير محتملة من مكبرات الصوت لعدة ساعات، وأكثر من مرة اضطررت لقضاء حاجتي في هذا الوضع بملابسي لعدم استماع أحد لكل ما يبدر عني من صياح ألم أو مطالبات".. "لم أمسك بأداة قاسية لمدة ثلاث سنوات فأدوات الطعام كرتونية أو من البلاستيك المطاط كذلك القلم والنظارات كانت مطاطية غير زجاجية وكانت تسبب لي الصداع عند استعمالها".. "مشعل (معتقل سعودي بهذا الاسم) حاول الانتحار بغطاء نومه ولم ينجح فأصيب بشلل وعاهات دائمة ولم نعد نراه".

محاولة الانتحار هذه هي إحدى أكثر من 40 محاولة تعترف سلطات السجن بوقوعها، وهي نتيجة مباشرة لممارسة أسوأ أشكال الإهانة والتحطيم النفسيين للسجناء، فللمرة الرابعة في التاريخ المعاصر (بعد معسكرات ستالين وهتلر ومعتقلات الدولة العبرية) يتم استعمال الملفات الطبية للمعتقلين كوسيلة في التحقيقات حيث يستفيد المحقق من التقييم الطبي والنفسي للضغط على السجين في نقاط ضعفه الجسدية والنفسية.

كذلك ورغم القطيعة عن العالم، التحقيق غير محدود بالزمان أو الحالة الصحية أو أهمية السجين. من البديهي أن معلومات أي سجين معزول عن العالم أكثر من أربع سنوات تصبح قديمة وأن القيمة الأمنية والفائدة المعلوماتية لأكثر من 400 من السجناء في غوانتانامو تعادل الصفر أو تكاد.

وفق المستشارين القانونيين للإدارة الأميركية فإن "المقصود بالتعذيب هو إنزال أذى بدني بشخص بشكل يؤدي إلى تعطل عضو من أعضاء جسمه. أما إذا لم يحدث تعطل أو تلف لأحد أعضاء الجسم فإن وسائل الاستجواب المستخدمة لا تعتبر تعذيبا كما لا تخالف أي قانون أميركي أو دولي أو أية معاهدات معمول بها بهذا الشأن".

رغم أن "غوانتانامو" خارج الأراضي الأميركية، لم تكتف الإدارة الحالية بمركز التحقيق والاستجواب هذا، وقامت بإنشاء أو استئجار عدة سجون سرية في أوروبا وبلدان عربية وإسلامية منها بولونيا ورومانيا والأردن ومصر.

التقاطع بين السجون السرية والتحقيق في بلد عربي وأوروبي وإسلامي كان من نصيب المهندس الموريتاني محمدو ولد صلاحي المختص بالإلكترونيات.

اعتقل محمدو ذو الـ34 عاما في ألمانيا عام 2000 بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة ومثل أمام قاضي التحقيق الذي أمر بإطلاق سراحه لعدم توفر أدلة ضده، ليعود إلى موريتانيا في نفس العام حيث تم اعتقاله مرتين من قبل نظام ولد الطايع والتحقيق معه.

وفي المرة الثالثة تم تسليمه إلى السلطات الأميركية إثر زيارة أجراها مدير أمن الدولة دداهي ولد عبد الله إلى واشنطن بعد إيهام أهله أنه معتقل في موريتانيا لحين انتهاء التحقيق معه.

ووفقا لشهادة معتقل في غوانتانامو استمع للقصة من ولد صلاحي نفسه، "نقل محمدو إلى سجن سري في المملكة الأردنية حيث جرى التحقيق معه مطولا وفي ظروف لاإنسانية، ثم جرى نقله إلى سجن بغرام في أفغانستان لتستمر عمليات التحقيق والاستجواب قبل أن يجري أخيرا نقله إلى غوانتانامو حيث ما زال هناك".

بعد تصاعد حملات الاحتجاج الدولية، وافقت الإدارة الأميركية على استجواب عدد من المسؤولين الأميركيين أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة التعذيب حول إدارة عدد من السجون السرية حول العالم، حيث يجري نقل المعتقلين من أماكن أخرى وتعذيبهم، وكيفية معالجة الحكومة الأميركية للانتهاكات التي وقعت في معتقل أبو غريب ببغداد.

وقد ترأس محامي وزارة الخارجية جون بيلّينغر فريقا من 25 شخصية رسمية لهذا الغرض، وكانت النتيجة طلب لجنة مكافحة التعذيب من الإدارة الأميركية إغلاق السجون السرية و"اتخاذ إجراءات حازمة لإزالة كل أنواع التعذيب" التي تمارسها قواتها الأمنية في أفغانستان والعراق وإقفال مراكز الاعتقال السرية التي تحتجز فيها مشتبها فيهم في قضايا إرهاب ولاسيما معتقل غوانتانامو".

السمعة السيئة التي نالها أبو غريب في ظل صدام والاحتلال، لا يمكن أن تنسينا ملف مئات المعتقلين العرب في السجون العراقية والأميركية في العراق. ومهما كان سبب الاعتقال أو دافعه، فإن هناك شروط حد أدنى لمعاملة السجناء لا يحق لأحد أن يجمدها بدعوى مناهضة الإرهاب.

السجناء بلا حدود ليسوا حصرا بالإدارة الأميركية وحلفائها، ففي سوريا أكثر من 200 معتقل من ثماني دول عربية معظمهم من السعودية وفلسطين ولبنان، بعضهم من عقابيل العلاقات السورية اللبنانية وبعضهم من نتائج احتلال العراق وتوافد متطوعين عرب لبلدان الجوار العراقي. كذلك في إيران تم إحصاء أكثر من 70 اسما من الفارين من أفغانستان من جنسيات مختلفة هم موضوع مساومات وتفاوض. ولم نستطع تحديد عدد المعتقلين السودانيين في مصر.

المملكة العربية السعودية لها حصتها في الموضوع، ولدينا معلومات بوجود أكثر من 60 يمنيا معتقلا في السجون السعودية كان آخرهم الشيخ محمد بن موسى العامري الناشط في جمعية الإحسان.

عند وصوله مطار الملك خالد يوم 15/9/2004، لم يكن في رأس المواطن اليمني محمد جبران سوى قضية واحدة: كيف يشرح لزوجته الأولى زواجه الثاني في دمشق، في حين كان عند المباحث السعودية أسئلة أخرى تتعلق بإقامته التي طالت في العاصمة السورية.

منذ ذاك الحين زار صاحبنا عدة أماكن استجواب واعتقال منها سجن الخرج وآخرها سجن الملز، مجاهيل هامة لم يساعده الإضراب عن الطعام في التعرف عليها: ما هي تهمته؟ ولم لم يحاكم؟ ولماذا لا تسأل سفارة بلده عنه؟

لا يوجد إحصاء دقيق لعدد السجناء العراقيين في السجون السعودية، إلا أن هناك أكثر من 350 سجينا في سجن عرعر العام وقرابة 250 في سجن رفحا العام وقرابة الـ200 في الحفر والحسا ومعظمهم من منطقة السماوة، والبقية من مناطق الناصرية والنجف والبصرة وبغداد، قلة منهم لأسباب سياسية، ومعظمهم لقضايا الحق العام (كعبور الحدود غير المشروع للرعيان وتهريب المشروبات الكحولية ودعاوى مشاجرات شخصية).

تتم محاكمة هؤلاء عادة بشكل سريع وتصدر عليهم أحكام بالسجن بين عام و15 عاما. لا يحق لهم الاستئناف أو توكيل محام أو زيارة الأهل ولا تزورهم أي هيئة أهلية أو رسمية أو صليب أحمر، وهم في قطيعة عن أهاليهم إلا من وسائل اتصال غير مباشرة عبر المساجين السعوديين.

شكل آخر للسجون بلا حدود، سجون التراحيل. لم يعرف بهاء عبد الفتاح محمد فياض عندما أنهى حكمه بالسجن وتنازل غريمه عن كل حق شخصي معه، أنه سيمضي 18 شهرا في سجن الإبعاد/الأندلس في الكويت.

سجن فيه كل الجنسيات ولكل سجين قصة.. قد تكون الإقامة وقد تكون حكما قضائيا مزدوجا، كما قد تكون في القيام بنشاط غير مرغوب فيه من الأجانب. مهجع يعيش فيه الناس كما في خيمة كبيرة تهافت البشر إليها بعد زلزال أرضي، لا ظروف صحية ولا أوضاع إنسانية. وما دام البلد الممكن الترحيل إليه يرفض قبول السجين، سيبقى السجين مع الوجوه المتغيرة والجنسيات اللامحصورة التي تمر من تحت ناظريه.

كما نسي الناس أو كادوا حرب الخليج الثانية، نسوا ضحاياها من السجناء، أكثر من 24 عراقيا في السجون الكويتية للعام السادس عشر مع عدد من الكويتيين والبدون يحملون بقايا أحقاد حقبة انتهت ولم يعد غيرهم من شاهد عليها.

إن كانت بعض الدول قد دخلت أو أدخلت في ملفات "السجناء بلا حدود" وصارت جزءا من خارطتها في

ملفات فريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي، فثمة دول حديثة العهد ولم تكن بحاجة إلى دخول هذا الفضاء لا بالمعنى الأمني أو السياسي. فقبل خمسة أشهر دخل المواطن السعودي حمد تركي المري جهاز المخابرات العامة في الدوحة ولم يخرج حتى اليوم، أليس لعائلته الحق بمعرفة مكانه ومصيره والتهمة الموجهة إليه وزيارته إن لم نقل عودته إلى منزله؟

كاتب سوري

الجزيرة نت

مجتمعٌ مدني هشٌّ .. غيرُ مُؤثّرٍ!!

مجتمعٌ مدني هشٌّ .. غيرُ مُؤثّرٍ!!

بشير خلف

خاص – صفحات سورية –

لكن مفهوم المجتمع المدني ، رغم ما بات يحوزُه من رواجٍ في الخطاب الفكري ، والسياسي العربي

الإسلامي ، لا يزال لم يتّضح بعد بالصورة الواضحة الدلالة حتى لدى النّخب ، وحتى من الكثير ممّن يشرفون عليه ؛ فالبعض يحدده بالمنظمات ، والمؤسسات ، والهيئات التي تُقام على أساس طوْعي بين أفراد المواطنين خارج أطُر الدولة ، والعائلة ، وعلاقات القرابة والعشيرة التي لا تزال مُؤثّرة اجتماعيا وروحيا في أكثر من مكان بالعالم العربي الإسلامي ؛ وهناك من يصرّ على وضْع التشكيلات القرابية ، والمحلية التقليدية عموما ضِمْن منظمات المجتمع المدني ، لأنها توفّر بعض أشكال الحماية للفرد تحت مظلّتها ، ويستثني هذا البعضُ الأحزابَ السياسية من تشكيل المجتمع المدني لافتراضٍ أنها تسعى للوصول إلى السلطة ، في حين يُصرّ البعض الآخر على ثِـقل دورها في المجتمع المدني ، كوْنها لا تسعى إلى استلام السلطة فقط ، بل لأنها تطرح برامج اجتماعية ، واقتصادية ، وتعليمية ، وغيرها . كذلك لا يزال الجدلُ قائما حول ما إذا كانت التشكيلات القائمة على أساس الانتماء الروحي ، أو الطائفي ، أو الإثني تشكّل جزءا من المجتمع المدني لأنها في أحيان كثيرة تسعى إلى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلّعات فئات واسعة من المجتمع ، وتضغط على مراكز القرار لتلبية العديد من المطالب الصحية ، والاجتماعية والتعليمية ، والثقافية ؛ في حين يرفض البعض عضويتها في المجتمع المدني ، بحُكْم القيود التي تضعها في شروط الانتماء إليها ، واقترابها في هذا المجال من المنظمات الإرثية ، ولكوْنها بهذه الشروط تتناقض مع مبدإ المواطنة الذي لا يقوم على شروط الدين ، أو الجنس ، أو العرق ، أو الانتماء الجهوي، أوالإثني .(1)
ويواجه التعريفُ الذي يركّز فقط على الجانب الاختياري الطوْعي في العضوية نفسَ الإشكالية ؛ فمنظمات المجتمع المدني تتباين كثيرا من حيث درجة انفتاح عضويتها ، فبعضها كالنوادي الخاصة يشترط رسوم اشتراك ، واهتمامات محدّدة ، وبعضها كمؤسسات البحث والجامعات ، والمعاهد يشترط مؤهّلات أكاديمية ، وعلمية ، وتخصّصية معيّنة ، وتفرّغ للعمل المدفوع الأجر ، كما تضع النقابات المهنية شروطا للعضوية ، وتحصرها في مجموعات ، وفئات مهنية ، وتشترط الأحزاب عادة الموافقة على برنامج الحزب ، ونظامه الداخلي ..هناك أيضا رابطات وجمعيات ثقافية وفكرية، ومؤسسات روحية تعمل وفق رؤية محصورة ، وهناك الجمعيات الخيرية والإغاثية التي تعتمد على العمل التطوّعي وبدون مقابلٍ كالهلال الأحمر مثلا .
ما سبق يقودنا إلى أن التعاطيَ مع المجتمع المدني وكأنه جسمٌ قائمٌ بذاته ، أو هو نسيجٌ مترابطٌ ..هو استنتاجٌ خاطئٌ .السؤال الجدير بالطرح ..ما العمل ؟
هل المجتمع المدني بمفهومه الحديث والمعاصر وبتغلغله في نسيج المجتمع بنسب تتحرك صعودا وهبوطا حتمية تاريخية فرضت نفسها ولا بدّ من التعامل معها بمعرفة وحكمة ، وواقعية ، والاستفادة من ثمارها كما هو الحال عند منْ سبقونا ؟ أم هي بدعة دخيلة تسرّبت إلينا ممّن يناوئوننا وجودا وكينونة في هذه المعمورة ؟ أم الرأي الحصيف هو تدعيم البُنى التقليدية في شكلها الأهلي والطائفي ، والعشائري كما كان الحال في العصور السابقة ، وكما لا تزال هذه البُنى متواجدة ومؤثرة في العديد من مناطق العالم العربي الإسلامي ؟
المجتمع المدني الحديث رهين الوعْي
إن المجتمع المدني في شكله الحالي وفي سياقه المعاصر ونوعية الأدوار التي يؤديها ، وهو تلك الشبكة الواسعة من الهيئات والمنظمات التي طوّرتها المجتمعات الحديثة في تاريخها الطويل والتي ( ترفد عمل الدولة ، ولا تتعارض معها ) ، وإذا شبّهنا الدولة بالعمود الفقري ، فالمجتمع المدني هو تلك الخلايا التي تتكوّن منها الأعضاء ، والتي ليس للجسم الاجتماعي حياةٌ من دونها ، فليس هناك أيّ شكل من العداء بينهما ، ولا اختلافٌ في طبيعة الوظائف كما سبق وأن أكّدنا ، وإنْ كان هناك اختلافٌ في أداء الأدوار ..هذا المجتمع أصبح ضرورة ملحّة .
إن التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة ، ومتكاملة الوظائف معها ، ومشارِكة في تحقيق الكثير من المهام التي تخلّت عنها هذه الأخيرة ؛ ثم إن هذا المفهوم يتوافق مع انتشار مفهوم العولمة ، والانتقال نحْو مجتمع ديمقراطي يحكم نفسه بنفسه ، ويتحمّل هو ذاته مسؤولية إدارة العديد من شؤونه المختلفة .
إن المجتمع المدني في الدول الغربية احتلّ مكانة رائدة وتجاوز غائياته البسيطة ، فالأمر تجاوز ذلك وجعل من المنظمات غير الحكومية : المحلّية والدولية ، من خلال الوضعية القانونية التي كرّستها لهذه المنظمات الأممُ المتحدةُ ، والدورُ النشيطُ الذي أصبحت تُوليه لها لحلّ العديد من المشكلات ، والتحديات الاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية ؛ حتى ساد الاعتقادُ اليوم أن هذه المنظمات هي الملجأُ الوحيد في تنفيذ المشاريع الإنسانية الخيرية وغير الخيرية في مواجهة عجْز الدولة ، وشلل أجهزتها بسبب سيطرة البيروقراطية عليها .(2)
ومن الواضح أن الحالة ليست كذلك في البلاد النامية والفقيرة ، فالحديث لا يزال بعيدا عن المجتمع المدني الواعي ، الفاعل ، الديناميكي ، والدعوة لإعطاء المؤسسات الاجتماعية مسؤولياتها في العمل الاجتماعي بقناعة أو نُضْج الدولة ، ولا من تطويرها لفكرتها عن دورها الأنجع في المساهمة في تطوير النظام الاجتماعي ، ولا عن نُضْج المجتمع ، وتوسّع دائرة العمل ، والمبادرة والتنظيم عند أفراده ، ونشوء جمعيات ، ومؤسسات أهلية قادرة على التدخّل لمعالجة الكثير من القضايا والمشكلات الاجتماعية للمواطنين في حينها .
مجتمعٌ مدني هشٌّ يعارض الدولة
ويطلب منها المساعدة !!
إن الكثير من جمعيات المجتمع المدني في هذه البلدان هدفُـها الاستفادة من المساعدات التي تقدمها الدولة ، أو تستهدف من وراء نشاطاتها الشكلية غطاء للوصول إلى السلطة المحلية ، أو الانضواء تحت مظلة الأحزاب الكبيرة مجنِّدة نفسها لها في حملات وعمليات الانتخابات للاستفادة ولو بجزء من الكعكة الجديدة ؛ وهذا يجرّنا لاحقا إلى قوْل كلمة حقٍّ فيما يُسمّى عندنا بـ (الحركة الجمعوية ) .
إن أكبر خطر يعيق المجتمع المدني في أداء وظائفه ، أو يجعل وجوده باهتا وغير مُؤثّر ، هو إمّا غياب المؤسسات التمثيلية فيه ، أو إفراغها من محتواها ، والزيغ بها عن أهدافها ، وحشْرها ضِمْن القنوات الدعائية للأنظمة ، أو للأحزاب الكبيرة في صراعها للوصول إلى السلطة . إن ضعْـفَ المجتمع المدني لا يعني حقيقة أن الدولة قوية ، فالدولة التي لا تستند إلى مجتمع مدني قويٍّ تفتقر إلى القاعدة المؤسسية ، وإلى المشروعية الشعبية ، ممّا يجعلها تهتـزّ في الأزمات ولا يقف بجانبها المواطنون أفرادا وجماعات .
استقلالية المجتمع المدني؟ !!
ما سبق ذكره يجرّنا إلى السؤال التالي : هل يمكن استقلالية المجتمع المدني في البلدان النامية بما فيها بلادنا عن الدولة وعن الأحزاب ، وعن الشركات ، ورجال النفوذ والمال ؟ هل بإمكانه وجود موارد للتمويل وتأدية وظائفه دون طلب مساعدة من هذه الهيئة أو تلك ؟ من التجربة والمعايشة لنا في ذلك ، أن هذه الاستقلالية حاليا منعدمةٌ ، ولا نخال أنها ستنتفي قريبا ..لأن مكوّنات المجتمع المدني في الجزائر على سبيل المثال لا ترى في تكوين منظمة ، أو جمعية ، أورابطة ، أو .. أو الانضمام إلى هذه أو تلك إلاّ أنها فرصةٌ سانحة لن تتكرّر لنيْل مأرب مادي ، أو سياسي ، أو جاهٍ ؛ ...إلاّ النادر جدّا .
ولعلّ ابرز ما يميز منظمات المجتمع المدني عن الدولة ، والمؤسسات الاقتصادية وأصحابها يكمن في طبيعة العلاقة التي تقيمها مع جمهورها ، وهي علاقة تفترض امتلاك هذه المنظمات ليس مجرّد درجة عالية من الاستقلالية في إدارة شؤونها ، وفي صياغة خططها ونشاطاتها ، وطريقة تحرّكها ؛ وهذا مرتبطٌ بقدرة مسيّريها على التواصل ، والنشاط العملي في إطار مهامها التي وجدت من أجلها أصلا ، وليس في المناسبات فحسب كتابعة ومجنّدة لهيئات أخرى ، وكذلك القدرة على التجدّد في الفكر ، والتوعية ، وتطعيم صفوفها بعناصر ذات كفاءة وخبرة ومصداقية ، وبالقدرة على تلبية حاجات وتطلعات اجتماعية أساسية للمواطنين ، وبقدرتها أيضا على دعمهم في مطالبهم ، وحاجاتهم اليومية تُجاه الهيئات الرسمية ، وبقدرتها على تمثيل مصالحهم ورفع مطالبهم باسمها .
إن محرّك عمَل وأهداف منظمات المجتمع المدني ليس الربح أو البزنسة ، بل هو محرّك يتحدّد وِفْـق تنوع هذه المنظمات : عمل الخير ، النهي عن المنكر ، الإغاثة ، التأهيل ، تدعيم التربية والتكوين ، التثقيف والتنوير ، محو الأمية ، الرعاية بالطفولة ، الرعاية بالمسنّين ، التضامن الاجتماعي ، رعاية البيئة ، رعاية اليتامى والأرامل ، مساعدة أصحاب الأمراض المزمنة ، الدفاع عن المستهلك ، العناية بالمدينة ، بالحي ..وغيرها من الدفاع وصيانة حقوق الأعضاء : كُتّاب ، محامون ، موثقون ، قضاة ، مهندسون ، أطبّاء ، صيادلة ، حرفيون ، تُجّار ... أي أن مجالات المجتمع المدني هي تلك المجالات التي لا تخضع لإدارة وتوجيه مؤسسات الدولة وتنظيمها ، وتعتمد إدارات مستقلة يخضع دورها وأشخاصها ، وبرامجها لموافقة وتوجّهات الأعضاء والجمهور المعني بنشاطاتها .
لتـذكير القارئ الكريم يتوجّب علينا أن نـشير إلى أن هـناك عدة ( لقاءات ، ندوات ، ...) وطنية تُعــقد من حين إلى آخر ببلادنا تتعلق بدور ( الحركة الجمعوية ) ومنها لقاء وطني بعنوان ( دوْرُ الحركة الجمعوية في التنمية الاجتماعية يومي 25 و26 ديسمبر 2002 بنادي الصنوبر تحت رعاية السيد وزير التشغيل والتضامن الوطني . من المواضيع التي طُرحت في هذا اللقاء : دور الحركة الجمعوية في الحفاظ على الفكر المدني ، وفي التربية على المُواطنة ، تنظيم العمل الإنساني والتضامني للحركة الجمعوية ، النصوص القانونية والتنظيمية الخاصة بالحركة الجمعوية ، المُواطنة والديمقراطية ، ترقية ثقافة الشراكة ، ترقية ثقافة الشراكة الدولية ، الفلاحة والتنمية الريفية والحركة الجمعوية ، دور الحركة الجمعوية في حالة الكوارث الطبيعية ، التضامن الوطني ، الحركة الجمعوية والنشاط الإنساني ، التربية الاجتماعية ، المُواطنة والديمقراطية والتربية الاجتماعية
إنها مواضيع جدّ هامة وذات فضاءات خيرية ، وإنسانية ، وتنموية ، وتكوينية ، إلاّ أن تطبيقها عمليّا يكون محدودا كوْن الحركة الجمعوية وبمثل هذا الاحتضان من وزارة التشغيل ، ورعاية السيد الوزير تبقى مقيّدة الحركة وطوْع الأمر الفوقي ، وحركتها مرهونةٌ بالدعم المادي المقدم لها ؛ وهذا ما يتنافى ومفهوم المجتمع المدني الحديث في استقلاليته عن الدولة من حيث التأسيس ، وانتقاء المجال ، واتخاذ القرار ، والبحث عن موارد التمويل والتي غالبا ما تكون ذاتيا متأتية من مشاريع ، أو من هباتِ جمعيات أخرى ، أو أشخاص لا يبغون من وراء عطائهم جزاء ولا شكورا ، كما هو حال المساعدات التي تُقدم للجمعيات الخيرية ، ومنظمات الهلال الأحمر ، والصليب الأحمر .
المجتمع المدني يتكامل ، ولا يتعارض مع الدولة
وهناك من يدقّق في تقسيمها أكثر حتى تتضح أدوارُها ، ولا تتداخل
مع غيرها كما يذهب إلى ذلك الأستاذ ـ علي الدميني ـ في مقال له بعنوان : دورُ المجتمع المدني في الحدّ من ظاهرة العنف والإرهاب، وينقسم نشاط جمعيات المجتمع المدني إلى قسمين رئيسيين :
القسم الأول : منظمات خاصة مهنية ونقابية وتضمُ أصحاب المهنة الواحدة، كالقضاة، والمعلمين، والمعلمات، والأكاديميين، والطلاب،والعمال،والمزارعين ، والتجار، والأطباء ، والمهندسين، وسائقي السيارات ، وأصحاب الحرف والهوايات ،والإبداعات المختلفة وسواهم، ويتركز عملُ هذه المنظمات على:
1- تطوير المهنة.
2-المحافظة على شرف المهنة ومحاسبة منتهكي أعرافها وتقاليدها ونظمها الداخلية .
3-الدفاع عن مصالح المنتمين إليها .
4-المساهمة بالرأي في قضايا الشأن العام .
القسم الثاني : منظمات عامة في مجالات الصالح العام الاجتماعي والسياسي، ويشمل الوجه الأول منها جمعيات الاحتساب ، وحقوق الإنسان ،التي تتكون من المختصين القادرين على إرشاد الناس في أمور دينهم ودنياهم ، والحفاظ على الأخلاق والآداب العامة ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق ، ومراقبة تطبيق قيم الحرية المسئولة والعدالة ، والمساواة ، و الدفاع عن حقوق الإنسان .
أما الوجه الآخر من المنظمات العاملة في سبيل المصلحة العامة ، فيشتمل على منظمات وجمعيات سياسية تهتمّ بتعزيز عملِ آليات المجتمع المدني ، والتعبير عن الشأن العام ، وتعزيز الحريات العامة والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار ، وإقرار مبدإ التعددية ، وحقوق الإنسان والسعي لتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية ، وكشْف التجاوزات التي تطال حقوق المواطنين أو المال العام ، و تُـسمّى الجمعيات السياسية.
ويمكن تحديد فعاليات عمل المجتمع المدني فيما يلي :
1- الحد من احتكار الدولة للسلطة ، والقرار وقوة القمع ، وقيامها بممارسة دور الحياد النزيه إزاء مختلف القوى الاجتماعية .
2- ترسيخ القناعات والممارسات بأهمية احترام الاختلاف ، وإقرار مبدإ التعددية ،و تيسير إمكانية اندماج الأفراد المنحدرين من مناطق وشرائح مختلفة في إنجاز أعمال ومشاريع مشتركة والقضاء على ترسّـبات التفرقة المناطقية ، والطائفية ، والفئوية.
3- توسيع قاعدة المهتمين بالمصلحة العامة ، و ذلك ما سوف يعمل على تصليب الجبهة الداخلية ، والانتماء الوطني،و القضاء على مشاعر اللامبالاة ، أو اليأس ، وعدم الجدوى، وفتْـح المجال للتعبير عن حرية الرأي ، والمساهمة في صناعة القرارات المصيرية للوطن و للمواطنين.
4- امتصاص حالات الغضب والاحتقان الاجتماعي والسياسي ، وفتْـح الباب للتنفيس عنها سلمياً بالتعبير عن الرأي العلني، وتعميق مفاهيم العمل المؤسسي، و تأكيد مقدرة المجتمع على التنظيم الذاتي والعمل الجماعي، والقدرة على اتخاذ المبادرات ، وتدعيم النهج السلمي في الحوار بين الأطراف المختلفة، والعمل على تقليص تأثير النزعة الفردية والتسلطية في اتخاذ القرار.
5- حماية مصالح الأفراد والجماعات وكافة المنتمين للمهن والتخصصات المختلفة الذين ينتمون لهذه الجمعيات، والدفاع عن حقوقهم إزاء الأجهزة الحكومية والأهلية التي تهدد تلك المصالح.
6- تلبية الاحتياجات المتعددة والمختلفة لكل أفراد المجتمع من خلال انخراطهم في النشاطات النقابية التي تعبر عن تخصصاتهم وميولهم وتطلعاتهم ، وفتْح الباب أمام كل مكونات المجتمع بدون تمييز للانخراط في العمل المؤسساتي ، وذلك ما سوف يحدُّ من احتكار أيِّ تيارٍ أو فكرٍ للعمل الثقافي ، والاجتماعي والسياسي في الوطن.
7- وبالنسبة للأجيال الشابة ، فإن جمعيات المجتمع المدني سوف تعمل على استيعاب طاقاتهم، وتوفير أسباب الأمان الاجتماعي والثقافي والنفسي لهم، وتلبية احتياجهم لتحقيق الذات ، وتوفير البيئات العملية الكفيلة بتعميق روح العمل الجماعي والمؤسسي المنظم في نفوسهم. وتيسير اندماج الأفراد المنحدرين من مناطق وشرائح مختلفة في انجاز أعمال ومشاريع مشتركة والقضاء على ترسبات التفرقة المناطقية والفئوية.
8- تطوير المهارات القيادية، وتأهيل الكوادر ، وتعزيز القبول برأي الأغلبية واختيار الأفراد الأكثر كفاءة لقيادة أعمال جمعياتهم ،وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة والمساءلة، والتعود على العملية الانتخابية، وتطبيق مبادئ تكافؤ الفرص وتداول السلطة .
9- تحقيق بعض المكتسبات المادية كالرعاية الصحية، أو التمتع بالبرامج الترفيهية ، والثقافية التي تقدمها الجمعيات ، أو بالإعانة المادية للمحتاجين.
10- ولسوف تُـثْمرُ جهودُ هذه الجمعيات بآرائها وأنشطتها في حلّ الكثير من الأزمات والمشكلات الاجتماعية، وتعمل على تعزيز حرية الرأي وترسيخ ثقافة التسامح، وحقوق الإنسان .(3)
إن المجتمع المدني بهذه الصورة كي يؤدي دوره المستقل عليه أن يجد منابع للتمويل لا ترد من السلطة ، ولا من المؤسسات العامة والخاصة ، ولا من الأفراد ( عكس ما هو معمول به عندنا ) فالاستقلالية في القرار ، وفي التمويل تترك منظمات المجتمع المدني تتحرك بقوة وبحرية لأداء وظائفها ..ولكن كيف السبيل إلى ذلك ؟
قد يرى البعض أن ذلك يتحقق في إطار الدعم المقدم من البنوك في شكل قروض مصغرة لإنشاء مشاريع منتجة ومربحة ، بدورها في حالة نجاحها تخلق الثروة وتُوسّع من مجال الجمعية أو المنظمة ..مشاريع ذات طابع فلاحي ، أو صناعي ، أو تجاري ، أو إعلامي ، أو ثقافي ...هذه الصيغة التي أصبحت مطبقة في أكثر من بلدٍ ، وتعمل منظمات دولية كالأمم المتحدة ، والبنك الدولي على الترويج لها في بلدان العالم الثالث عن طريق الإعلام وبواسطة تنظيم دورات تدريبية لأعضاء المنظمات في هذه البلدان في كيفية خلْق مؤسسات منتجة ؛( وقد استفادت الجزائر من عدة دورات في هذا المجال منها واحدة عُقِدت بمدينة الوادي سنة 2003 ) ، وزيادة تعاونه مع منظمات المجتمع المدني التي من مهامها أيضا المساعدة على تمكين الفقراء من تجاوز محنهم ، والتأثير في القرارات التي تؤثر على حياتهم . وأصبحت منظمات المجتمع المدني شريكا بارزا في عملية المساعدة الإنمائية على مستوى العالم ، وأوضحت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ، أنه قد تمّ تقديم مساهمات تُقدّر بمبلغ يتراوح بين 6 ـ 7 بلايين دولار سنويا عن طريق منظمات المجتمع المدني من مواردها الخاصة في أواخر تسعينيات القرن الماضي ، في شكل إعانات لإنشاء مؤسسات اقتصادية ، واجتماعية منتجة استفادت منها منظمات المجتمع المدني ، في العديد من بلدان العالم النامي ، لكن بعض البلدان تُشكّك في مصداقية هذه الإعانات ، ونية المؤسسات الدولية المانحة ، بل ترفض أيّ نوْعٍ من الدعم الخارجي لمؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك الأحزاب ، وبلادنا واحدةٌ منها .
ينطلق البنك الدولي من قناعة خاصة بأن الشراكة القائمة بين المجتمع المدني ، والحكومة ، والقطاع الخاص ، قد أصبحت أكثر الطرق فعالية في تحقيق النموّ الاقتصادي ، والتنمية الاجتماعية القابلة للاستمرار ، وتشمل هذه الفوائد ما يلي :
• أخْذ القرارات الصادرة عن المجتمع المدني بعين الاعتبار ، فعن طريقها يمكن وضْع مطالب الفقراء والمهمّشين موضع اعتبار ، عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالبرامج السياسية والتنموية .
• تعزيز الإجماع العام والدعم المحلّي في عمليات الإصلاح ، ومنظمات المجتمع المدني ستساهم في تعزيز هذا الدعم لتدعيم المبادرات الوطنية في عمليات التنمية ومساعدة الفقراء .
• إيجاد وتكوين أفكار وحلول جديدة للأفراد والجماعات ، والعمل على زيادة المشاركة المحلية .
• تقديم الخبرة المهنية ، وزيادة القدرة على تقديم الخدمات ، خاصة في حالة عدم قدرة القطاع العام على تقديم الخدمات العامة .
في العقد الماضي ارتفعت نسبة مشاركة منظمات المجتمع الدولي في المشروعات التي يقوم البنك الدولي بتمويلها من نسبة 21 % في عام 1990 إلى 72 % عام 2004 .ويتعاون البنك الدولي مع المئات من منظمات المجتمع المدني حاليا في جميع أنحاء العالم ، ويقوم بتمويل الجهود الساعية إلى تخفيض أعداد الفقراء عن طريق توظيف خدمات المساعدة الفنية ، والتدريب ، والاشتراك مع هذه المنظمات في الإدارة المشتركة للبرامج . وحرص البنك الدولي على زيادة التمويل الذي يقدمه إلى منظمات المجتمع المدني بمعدل ثابتٍ من خلال العديد من آليات التمويل الذي يتمّ في الغالب بالتعاون مع جهات تقديم المساعدات الدولية في دعْم البرامج مثل المبادرات البيئية ، والاعتمادات الصغيرة للمشاريع ، وجهود الإعْمار ( بعْد الصراعات بالطبع ) ، والحصول على تكنولوجيا المعلومات ، مشاريع صوْن الغابات ، ومكافحة الفيروس المسبّب لمرض نقص المناعة ، وتخفيض أعداد الفقراء في المناطق الريفية ...(4)
التمويل الذاتي قوّة المجتمع المدني، واستقلاليته
إن المجتمع المدني عندنا غائبٌ أو مُغيّب عن هذه الحركية لمفهوم المجتمع المدني ذي الفاعلية ؛ فما هو واقعي ومألوف عندنا بمجرّد حصول المنظمة ، أو الجمعية على اعتمادها من وزارة الداخلية إنْ كانت وطنية ، ومن الولاية إنْ كانت محلية تتقدّم بطلب الدعم المالي إلى الهيئات الرسمية ، هذه الهيئات التي تشترط برنامج عملٍ سنوي للجمعية قابلٌ للتطبيق ..إن الكثير من الجمعيات التي تتلقى الدعم غالبا لا تقدم أي نشاط ، حيث يُصرف مبلغُ الإعانة في أغراض أخرى كصرْفه في رحلات سياحية ترفيهية للأعضاء المنضوين ، أو قضاء عُطل بجانب البحر صيفا تحت عنوان : التبادل الثقافي ..أو تجهيز مقرّ الجمعية بأجهزة وآلات حديثة ليُتبين فيما بعد أنها نُقلت إلى أماكن أخرى غير معروفة ، وهذا في أحسن الحالات لأن تلكم المساعدات قد لا يُرى لها أثرٌ إلاّ على الأوراق وهذا ما حدا بوزارة الداخلية في هذه السنة 2005 أن تفتح تحقيقات معمّقة حول حقيقة دوْر هذه الجمعيات التي يقترب عددها من 83000 جمعية تشكل ما يُطلق عليه بالحركة الجمعوية ؛ وإن المتتبع لنشاطاتها وطنيا ومحلّيا سيلْمسُ تأكيدا أن أربعة أو خمسة من المئة تتواجد عمليا ولها وهجُـها وبريقها على غرار الأحزاب .. والغريب في أمْر هذه الجمعيات وَهَمُـهَا أنها تؤدي أدوارا مهمة في المجتمع عجزت عنها الدولة ، وبالتالي فهي تناوئها عن عجزها ذاك ، وهذه مُلْزمة بتدعيمها ماديا وماليا .
إن ضُعف ثقافة القانون على مستوى التعامل مع الحقوق والواجبات أدّى بأعضاء ومتعاوني الجمعيات المدنية إلى اعتبار المساعدات المنصوص عليها قانونا شكلاً من أشكال المنح والهبات ، ممّا أدّى إلى إقامة علاقات مبنية على الولاء والتبعية للإدارة أكثر منها للقانون، أو إلى نوْع من الذلّ والمسْكنة ، والتسوّل المُهين أمام أصحاب النفوذ والمال في القطاع الخاص، منْ يُطلقُ عليهم ـ المدعّمون ـ
هل لدينا فعلا مجتمعٌ مدني بالمفهوم الحديث ؟
انطلاقا مما سبق ، هل يوجد في الجزائر فعلا مجتمع مدني بالمفهوم المعاصر ؟ وإن كان موجودا ما ثقله في المعادلات السياسية والاجتماعية ؟ ما المعايير التي تُديره ؟ ما مدى إيمان أعضائه بالقيم التي تُسيّر افتراضا منظمات المجتمع المدني كالانضمام الاختياري والتطوع ، وحرية الرأي وتقبّل الاختلاف في ذلك ، والتسامح ، والتداول في الإدارة والتسيير ، والقناعة بأن الانضمام إلى هيئات المجتمع المدني هو ضرورة بشرية :
(( إن مؤسسات المجتمع المدني ضرورة بشرية لا غِنًى عنها ، وبدونها قد يكون الناس مجرّد جمهور لا تأثير له ، وأن ارتباطات الفرد بمختلف هذه الجمعيات هي التي تُضْفي عليه أهمية كبرى ، ودورا يُذْكرُ .)) (5)
من المُتفق عليه أن قوة المجتمع المدني مرتبطٌ بالتطور العام للمجتمع ، وبالأرث الثقافي والاجتماعي ، لما يُتيحه ذلك من وعْـي بكينونة الإنسان ، ووعيه لذاته ولغيره ، وتقدير رسالته في الكون وفي المجتمع الوطني ، والإنساني ممّا ييسّر فيما بعد من هيكلة الأفراد داخل تنظيمات مختلفة ..فالمجتمع الذي ترتفع الجهالة والأمية لدى حوالي ربْع سكانه ، وتسود فيه نسبة البطالة العالية ، وتتقلّص فيه يوميا روحُ الانتماء ، وتخفتُ القيم التي تحكم نسيجه يتعذّر على الكثير من أفراده الشعور بالواجبات قبل الحقوق، وهي التي تدخل ضمن اهتمامات المجتمع المدني .
كما أن بقاء الارتباطات التقليدية ( التي وإنْ كانت لا تزال لها تأثيراتها الإيجابية ) في المجتمع الجزائري أمرٌ حال وصعّب من أن تؤدي مؤسسات المجتمع المدني دورها القائم على مبدإ المواطنة ؛ فالجهوية ، والقبلية ، والعروشية ، وانتشار ظاهرة العُصب لا تزال متغلغلة في مجتمعنا (22)، وتمثّل أحد الأنماط الرئيسة للارتباط الاجتماعي للأفراد فيما بينهم ..وحتى منظمات المجتمع المدني في هيكلتها وتنظيمها وتسييرها لا تعدو أن تكون صورة مصغّرة للأحزاب التي لم تختلف في تسييرها وقيادتها عن الحزب الواحد ، وبالتالي فإن حرية التعبير وتقبل الاختلاف والمشاركة في القرار ، والتداول على القيادة وهي من أبجديات المجتمع المدني أمرٌ غير موجود ، ولا أخاله سيوجد مستقبلا..
مجتمع مدني يفتقد سمات التسيير الحضارية
آفتنا الكبرى روحُ التسلط ، وتهميش الآخر ، والحطّ من منزلته ، وإذْلاله وتهميشه ..ونتيجة لذلك في كل آنٍ نسمع عن هذا الحزب أو ذاك ، أنْ برزت من بين أعضائه حركةٌ تصحيحية ، أو عن هذه المنظمة أو تلك وقد انشطرت إلى منظمتين أو أكثر ..ونحن في غِنًى عن ذكْر الأسماء ، والمتتبع لمسيرتنا ستبرز له بسهولة.
إن أهم مؤسسات المجتمع المدني في الجزائر اليوم والتي كانت سابقا تمثل امتدادا لسلطة الدولة ، و كانت تحت مظلة الحزب الواحد الذي كان بدوره هو السلطة ، لم تستطع اليوم بالرغم من استقلاليتها أن تنفطم عن موالاتها السابقة ، وما تأسس في إطار التعددية من مؤسسات ومنظمات تفتقد إلى مفهوم المجتمع المدني المعاصر الذي وظيفته التكامل مع وظيفة الدولة ، ومساعدتها في القيام بما تخلّت عنه من وظائفها السابقة تُجاه المجتمع (6)، وليس كما هو مفهومٌ عندنا اليوم بأن المجتمع المدني إمّا هو نِدٌّ للسلطة حتى وإنْ كانت في بعض المواقف في الاتجاه الصحيح ، وإمّا هي مؤسسات مجتمعية في الظاهر مستقلّة عن السلطة ، ولكن في حقيقتها مؤسسات ترضع من حليبها ، وما هي بقادرة أن تنفطم ، وهي رهينة الحاجة تنتظر المهماز كي تطفو في المناسبات في حملات التعبئة والمساندة لهذه الجهة أو تلك .
ولا ننكر أن هناك مؤسسات نشطة وأثبتت وجودها عن جدارة ولم تنتكس ، وما حادت عن أهدافها الأولى ، وبقيت وفية لمناصريها ، وللمجتمع ..منها ما يدافع عن حقوق الإنسان ، ومنها ما يعمل في إطار التكافل الاجتماعي والمجال الخيري ، ومنها ما ينشط في المجال العلمي ، والثقافي ، والتاريخي ، والصحّي ، وكذلك الصحافة المستقلة وتتصدّرها جريدة ( الخبر ) التي في اعتقادي ولا تزال على غرار غيرها من بعض الصحف المستقلة ، وإنْ كانت هذه الصحيفة وإصداراتها الأخرى ،هي أكثر تأثيرا ومصداقية وانتشارا في الداخل والخارج ..تُعتبر مؤسسة كبيرة من مؤسسات المجتمع المدني في الجزائر ، ولا تدخل البتّة تحت ما يُطلق عليه بالحركة الجمعوية ..هل يمكن مقابل ذلك أن تُولد مؤسسات فاعلة على غرار جمعية العلماء الجزائريين( الأولى ) في هذه الديار ؟ تلكم الجمعية الرائدة التي قارعت الاستدمار الفرنسي وهو في أوْج قوته وهنجعيته ، وعملت ليس في الحفاظ على هوية الأمة وثوابتها على ما هي عليه فحسب ، بل على تنقيتها ممّا شابها ، وإعادتها إلى أصلها النقي .. ، تعاطت ومن مركز قوّة يومها مع قضايا الأمة العربية الإسلامية ، ومع كلّ القضايا العادلة في العالم ...جمعية العلماء غابت اليوم كهيكل إداري ، وما غابت روحا يحرّك هذه الأمة ..كانت بحقّ دولة داخل دولة .
إن محدودية الوظائف في النظام الديمقراطي المُسْندة للدولة ، أمرٌ يستدعي تجنّدَ المجتمع لتولّي ذلك من خلال منظمات ، ومؤسسات ذات فعالية ؛ فالمنظمات المدنية من هذا القبيل أكثرُ ما تكون انتشارا وقوة ، وذات تأثير ومصداقية في البلدان التي يقلّ فيها تدخّل الدولة في الحياة العامة . إن فعالية مؤسسات المجتمع المدني وقوة تواجدها المُؤثر هو مظهرٌ من مظاهر تسيير المجتمع لنفسه .
حركةٌ جمعوية .. وليست مؤسسات للمجتمع المدني !!
ويبدو لي ومن المعايشة اليومية لمؤسسات المجتمع المدني وواقع وجودها ، وتحرّكها عندنا إنْ وطنيا ، وإنْ محلّيا لا تزال هشّة وعودها لم يقو بعد ، وبالتالي غير قادرة على التأثير في الأحداث الوطنية إنْ سلبا ، وإنْ إيجابا ..فما بالك بإسماع صوتها خارجيا للتنديد بالظلم الذي تمارسه القوى العظمى في شتّى المجالات ..ويصدق عليها مصطلح ( الحركة الجمعوية ) بدلا من مصطلح المجتمع المدني الذي في رأيي الشخصي أبلغ ، وأشمل من حيث أداء الوظائف ، ولعب الأدوار ، وإلاّ ما معنى لمجتمع مدني أو حركة جمعوية تعجز عن التحرّك ، أو حتى بالتنديد الشفوي أو الكتابي في مجتمعٍ تتعرض خصوصياته الثقافية ، ومكونات هويته للتفتيت والتهميش ، والذوبان كنكبة اللغة العربية في هذه الديار ، وانتشار التمسيح في بعض مناطق الوطن ، أو تغضّ الطرْفَ عن المشاركة في الدفاع عن القضايا العادلة في العالم ؛ قد يقول قائل : لا غرابة في ذلك فالجزائريون صُدموا بالواقع وفقدوا ثقتهم في النُّخب وفي التنظيمات المدنية والتشكيلات السياسية ، وعزفوا عن الانضمام لها أو السير وراءها .. لأن النزعة الفردية والبزنسة ، والقبلية ولو المقنّعة ، والطائفية المعشّشة في الظاهر والباطن ، لا تتعايش مع مفهوم المجتمع المدني السليم القادر على التأثير والإقناع والتنشيط ثم التعبئة ، الذي يستند إلى المعرفة الواسعة ، والحرص على إشاعة الأفكار والمواقف الفاضلة لدى الأفراد المنضوين أوّلا ، والمجتمع ثانيا .
حقّا من الصعب أن ينشأ المجتمع المدني ، ويقوى عُوده لدى مجتمع يعاني الكثيرُ من أفراده من الأمية ، والبطالة والحرمان ، والتهميش ..وبالتالي من الفقر الذي تتولّد عنه الحاجة ، والجوع ، والمرض ، والآفات الاجتماعية كردّ فعْل لذلك ؛ إذْ يصعب احتواء الأفراد في هذه الحالة لهيكلتهم ، وإقناعهم بالمشاركة في الحياة السياسية ، وحركية مؤسسات المجتمع المدني .
إن المجتمع المدني السليم مْنْ توفّرت في أصحابه صفاتٌ كمعرفة التاريخ الوطني والعالمي ، ومتابعة الأحداث العالمية بوعْي وإدراك ، ومعرفة طبيعة العلاقات الاجتماعية ، وتوفّر الصفات الأخلاقية مثل التضحية والنزاهة ، والغيرة على الوطن ومصالحه ، ومكاسبه ، والحسّ بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية ، والعدالة ، والأمانة ، والتسامح ممّا يتطابق مع الآية القرآنية الكريمة في سورة :( النساء :58 ) (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً .))
إن أغلب المنظمات الشبابية المنضوية تحت مظلة المجتمع المدني تقصر نشاطها المحدود جدّا على البرامج الترفيهية ، أو الرحلات صيفا إلى الشواطئ ، متناسية رسالتها الأساسية في تكوين أجيال من المواطنين الصالحين ، القادرين على العمل من أجل الارتفاع بمستواهم الشخصي ، ومستوى الوطن ثقافيا ، واجتماعيا ، وأخلاقيا .وكثير من مؤسسات الإعلام المرئي والمكتوب أصبحت أكثر ميْلا إلى تقديم البرامج ، والمعلومات السطحية الهزيلة التي تداعب المشاعر ، والعواطف ، والغرائز ( سوق المجلاّت الأسبوعية عندنا نموذجا ..ومجلات الخليج أيضا نموذجا فضلا عن العشرات من القنوات الفضائية الشبيهة لسوق المجلات عندنا ) ، بدلا من تقديم برامج جادّة عميقة تثير الفكر ، وتعرض بالتحليل المشكلات الحياتية الكبرى ، وتساعد على معرفة ما يدور في العالم من فكر متقدم ..بل إن المؤسسات العلمية والأكاديمية والجامعية كثيرا ما تنحرف عن المُثُل العلمية ، والثقافية العليا التي أُنشئت من أجلها ، وتفضّل على ذلك الاكتفاء بإعْداد الطّلاّب ، والخريجين للحياة المهنية ، وتغفل وظيفتها الأساسية في تكوين الإنسان المثقف ، المفكر الواعي لشؤون الحياة ، والقادر على الإسهام بفكره وعلمه فيما يعود على المجتمع بالخير ، ويدفعه للنموّ والتقدّم .
جامعاتنا تتعدّد فيها المنظّمات الطلابية ، وتتنوّع انتماءاتها ، ولكن بدلا من أن تتوجه إلى الطالب بالتكوين ، والرفع من مستواه المعرفي العام في إطار تخصصه ، وفي إطار الارتفاع به إلى آفاق الثقافة الإنسانية ، ومساعدته على أن يكون الطالب الحريص على تحصيل المعرفة ، وعلى تحضير نفسه لمستقبل يكون فيه مواطنا ذا فعالية في المساهمة في بناء وطنه ؛ فإن هذه المنظمات نجحت وتنجح فقط في المطالبة بما هو مادي ، وإنْ لم يتحقّق لها ذلك دفعت بالطلاب إلى التهديم والتحطيم للبُنى القائمة ..
والشيء نفسه يقال عن الأحزاب السياسية ،(7) بل وعن التنظيمات الدينية التي قد تدعو إلى التعصّب ، وكراهية العقائد الأخرى ، ومحاربة اللغة الأم في بلادها بدعوى أنها متخلّفة ولا تساير عصْر العولمة ، بدلا من أن تحمل هذه الأحزاب رسالة التسامح ، والسلام .. هيّ عيّنات نكتفي بها من المجتمع المدني عندنا !!

ويبدو لي في نهاية هذا الحديث أن المجتمع المدني المفترض وجوده عندنا ما عمل حقّـا وصدقا على ترسيخ مفهومي المواطن ، والمواطنة حيث لا يمكن لأيّ مجتمع أن يحقّق المواطنة التي هي المشاركة بوعْي في الشؤون العامة ، بدون مواطن يشعر بعمق بحقوقه وواجباته في الفضاء الاجتماعي ، والثقافي ، والسياسي ، ولا يبخل بأداء واجباته تُجاه وطنه ، وتُجاه مجتمعه .

هوامش :

(1) ـ أ . جميل هلال . حوْل إشكالية مفهوم المجتمع المدني . دراسة .ص : 03 .
(2) ـ د . برهان غليون . نشأة المجتمع المدني وتطوّره من المفهوم المجرّد إلى المنظومة الاجتماعية والدولة .
(3) ـ أ . علي الدميني . المجتمع المدني ودوْرُه في الحدّ من ظاهرة العنف والإرهاب . مجلّة الحوار المتمدّن .العدد 981 .
(4) ـ موقع منظمة الأمم المتّحدة . المجتمع المدني ( نشْرةٌ خــاصّةٌ) .
(5) ـ الفيلسوف الألماني هيغل . أصول فلسفة القانون . من مقال للأستاذ إبراهيم سعدي بعنوان :( بحْثا عن المجتمع المدني الجزائري ) . الشروق اليومي : الأحد 09 مارس 2003 .
(6) ـ أ . إبراهيم سعدي . مرجع سابق ..جريدة الشروق .
(7) ـ المرجع السابق .
(8) ـ د .أحمد أبو زيد .المجتمع المدني : القوّة العالمية الثالثة ص56.كتاب العربي 61 جويلية 2005 .


إعلان دمشق بيروت والاعتقالات الأخيرة

إعلان دمشق بيروت والاعتقالات الأخيرة

غسان المفلح

خاص – صفحات سورية –

ـ رأي للتحاور وليس للشقاق ـ

القسم الأول ...
لابد من الوقوف عند جزء من إشكاليات الواقع السوري ومعارضاته كلما حدث شيء ما في دمشق ..دمشق التي أضحت كاليتيم على طاولة اللئام . واللئام هنا كثر ..منهم من هو لئيم في مصالحه كالدول الغربية والإقليمية والسلطة السورية ..وقسما من معارضة تعتاش على نهش لحم بعضها كما أن هنالك قسم منها لا يستطيع العيش دون أن يبرز على السطح من خلال أن الاسم لديه أهم من المعنى وهذا ينطبق على بعض رجالات المعارضة ـ الذين يتعاطون مع القضية بوصفها مشروعا ماديا بالدرجة الأولى !! ومنهم من يرى في أسمه بديلا عن كل المصالح
كثيرة هي الأسباب ولكنها إن أضيفت على الشرط السوري الخاص يصبح الموضوع غاية في التعقيد وأحيانا غاية في اللؤم والخبث يتلون كحرباء .. وهذا الشرط السوري الخاص هو الذي ينبع ويتراكب مع إشكاليات عميقة في المجتمع السوري كان للسلطة فيها الدور المؤسس في انبثاقها كحالة مرضية مزمنة ومهددة لوحدة المجتمع السوري :
تعاطي السلطة الطائفي مع كل مناحي سيطرتها على المجتمع من جهة , وغطرستها المرضية في التعاطي مع المسألة الكردية في سوريا من جهة أخرى . حول هذا المحور تتلون أشكال من التعاطي السياسي مع الشأن السوري بدء من اللون الطائفي وانتهاء بألوان من العقد والمصالح لا يعرف بها سوى الله عز وجل !! سأعطي مثالا :
إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي في لحظة صدوره أول اتهام وجه له أنه إعلان طائفي إقصائي . وافتتحت وقتها ولازالت ورشة سجال لم يبق فيها ـ ستر مغطى ـ كما يقول المثل العامي في دمشق الجريحة . وسأبدأ النص بفجاجة فيها شيء من التهور النظري وربما الأيديولوجي :
هنالك تصريح يتردد في أوساط بعض المعارضين منذ زمن على لسان معارضين آخرين ربما منهم من كان مسؤولا في سلطة من سلطات هذا النظام أو الذي سبقه تقول أو مفادها :
[ نحن لا نريد العودة إلى تاريخ كانت فيه النساء العلويات ـ نسبة إلى الطائفة العلوية في سوريا ـ يعملن في منازل أغنياء السنة ] لذا يجب أن يكون هنالك عدم استمرار بشكل من الأشكال استمرار لسيطرة الجيش على مقاليد السلطة في دمشق مهما كانت نوعية التغيير المنشود من أجل ضمان ألا يعود الوضع إلى تلك الحقبة بالطبع في تزوير متعمد للتاريخ السوري المعاصر .
وتلك النقاشات والمهاترات أحيانا التي صاحبت إعلان دمشق ..نفسها صاحبت إعلان جبهة الخلاص الوطني التي أبرز مؤسسيها هما جماعة الأخوان المسلمين والسيد عبد الحليم خدام وبعض القوى في الخارج . أيضا اتهمت كما اتهم إعلان دمشق بالطائفية والإقصائية واللاديمقراطية . هنالك من يقول الآن :
ماذا يختلف السيد عبد الحليم خدام عن السيد رفعت الأسد أليس كلاهما كانا نائبين للراحل حافظ الأسد ؟ لماذا إذن جبهة الخلاص استثنت السيد رفعت الأسد ؟ ألا يشكل وجوده ضامنا لعدم طائفية جبهة الخلاص الوطني ؟
ثم تفاجئنا أيضا بما سمي [ إعلان سوريا ] والذي تم طبخه على نار أرضية ونص إعلان حلب ـ الذي كان سيأتي ردا على إعلان دمشق ولكنه لم ير النورلأسباب عدة يعرفها القائمون الحقيقيون على إعلان سوريا ـ حتى جاء تشكيل ما يعرف أيضا بالمحور الثالث الذي جاء انبثاقه في أجواء لقاء كندا للمعارضة السورية بتاريخ 29/4/2006 في مونريال بكندا . والذي أيضا رافقه تهم وتهم متبادلة بين المشاركين به وصلت إلى تناول بعض المشاركين بطريقة شخصية !!ليس هذا هو المهم .. المهم أن هذا الإعلان الجديد يدعو لطرح ثلاث تساؤلات :
الأول : ما علاقة المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان بإعلان سياسي كهذا ؟ والسؤال الثاني : كيف ننقد الأخوان المسلمين في سلوكهم الطائفي موضوعيا وذاتيا وهنالك من يقول بالليبرالية وهو ناطق باسم تنظيمات لها طابع ديني أو إثني كيف يتم الجمع بين المسألتين ؟ والثالث : لم يأت الإعلان على ذكر للقضية الكردية في سوريا ورؤيته لحل هذه القضية ؟ لهذا من منكم يدخل على صفحة التواقيع على إعلان سوريا في موقع الحوار المتمدن يجد عينة من الموقعين ومن التعليقات على توقيعهم ـ بعض أبناء شعبنا من السريان حيث يشكل أحد المنتجين لهذا الإعلان ناطقا رسميا باسم أحد الحركات السريانية الآرامية . وهذه حق لأن حق المواطنة مهدور في سوريا فحقهم بهذا الإحساس بالغبن الذي لحق بشعبنا السرياني في سوريا ولكن هل لحق بشعبنا السرياني لوحده ؟ تماما نفس النقد الموجه لجماعة الأخوان المسلمين تقع فيه الأطراف الناقدة نفسها . وأنا كنت قد بينت في أكثر من موقع ودراسة وحوار أن الجماعة في التكوين المجتمعي السوري يحضرون موضوعيا كوجه طائفي . وعليهم تجاوز هذه المحنة !! كيف يمكن فصل الدين عن الدولة وأنا أتحدث عن أنني أمثل حركة دينية طائفية في حضورها الموضوعي أو في حضورها اللامرئي في خلفية المشهد الذي أزينه بتعبيرات ليبرالية ..الخ والسؤال الذي يتعلق هنا بالضمير المهني والقيمي والمعرفي : هل يمثل الأخوان المسلمين الشعب السني في سوريا ؟ بمعنى هل يصبح السوريين السنة كلهم أخوان مسلمين ؟
وإذا كنت أؤمن بمفهوم المواطنة على أرضية تنظيم سرياني وخلافه علي أن أؤمن بها على أرضية تنظيم عربي سني !! وهذا ينطبق أيضا على الأخوة والأصدقاء في الحركة الكردية : كيف أؤمن بتنظيمات كردية قومية في مفهوم المواطنة وأرفض التنظيمات القومية العربية داخل هذا المفهوم ؟ ليس غايتنا الإساءة لأحد كائن من كان لكننا نحاول إخراج النصوص المعلنة من حربائيتها الضمنية . وهذه المحاولة برمتها يمكن أن تكون خاطئة ولكنها مطروحة للحوار . ويبقى السؤال المركزي الطارد لتلك الغطاءات والتلونات : كيف سيتم تداول سلطة على أرضية نفس السلطة كما هو مطروح في إعلان سوريا ؟
ليس الطائفية تدين فقط بل هي إحساس بالانتماء لأن السلطة أفقدت المواطن حس الانتماءات الأخرى السياسية والمدنية وكيف هي الدعوة للقيم الليبرالية الكونية على أس طائفي أو ديني أو قومجي متعصب ؟ وهذه الفقرة ستكون مثارة في مقالة مستقلة ستنشر قريبا ..الفارق بين الإحساس الطائفي كتدين سياسي ـ السلطة والأخوان نموذجا ـ وبينه كانتماء ثقافي وجداني قسم من رجالات السلطة وبعض مثقفي المعارضة السورية نموذجا .
أسئلة هي خارج النص المعلن في كل المعارضات السورية ـ وهي معارضات وليست معارضة واحدة وكل المحاولات لجعلها معارضة واحدة تبوء بالفشل وهذا ما يجعلني أحيانا في حالة اليأس من إمكانية أي انبثاق لمعارضة واحدة !! والفرق بين معارضة واحدة ومعارضات بالنسبة لي هو : شرف الخلاف والاختلاف ..وليسمحوا لنا إذن بالقول المعارضات ليس لديها شرف الاختلاف والخلاف بل هي فرقاء تريد تحطيم بعضها بعضا !! أما معارضة واحدة هي التي تؤمن بحق الاختلاف وبحق الآخر بالمعارضة وتبحث عن مفهوما مركزيا جاذبا وليس مفهوما طاردا وهو مفهوم التعايش في الفكر التنويري الغربي وتجربته التاريخية على أرض الواقع . المعارضات تستند في وجودها على الطرد وليس على الجذب ..لهذا هي فرقاء تتحارب وليس فريقا يختلف
ويتعايش ..بينما المعارضة تستند على الجذب والتعايش الحر الضامن لحق الاختلاف . وفي هذه النقاط ما يعيدنا إلى أجواء إعلان بيروت دمشق الذي راح ضحيته سجونا وتنكيلا رموزا مهمة من المعارضة السورية التي هي بفلك إعلان دمشق ..والمفاجأة كانت بالنسبة لي هي تبرير معارضات سورية أخرى بشكل بريء أو سيئ النوايا للحملة التي قامت بها السلطة بحجة إما أن التوقيت غير مناسب أو أنه يخدم إسرائيل وهذا المنطق يدعو المرء أحيانا لكي يقف أمام نفسه قبل أن يقف أمام الآخرين ويسألها :
أي معارضة ديمقراطية يمكن لها أن تبرر اعتقال شخص على رأيه مهما كان هذا الرأي مخالفا لتوجه هذا النوع من المعارضات ؟ رغم أن هذا المنطق الذي يتحدث عن التوقيت يمكن الرد عليه ببساطة متناهية : وهل توقيت إعلان سوريا يخدم قضية الديمقراطية في سوريا رغم أنني منحاز تماما لفضاء الفكر الليبرالي الذي لم أره بعد في سوريا كفكر جاذب وليس كفكر عدائي بمواجهة الآخر على الطريقة الإسلامية أو الطائفية أو الدينية؟ بقي نقطة واحدة بما يخص هذه القضية لاحظناها في سياق إعلان سوريا وذهاب السيد الغادري ليدلي بشهادته أمام الكونغرس عن وضع حقوق الإنسان في سوريا ..أن يأتي إلى المعارضات معارضة جديدة لم يسمع بها أحد من قبل هذا حق لكل سوري بأن يصبح معارضا تكفله كل الشرائع . ولكن النكتة أن كل معارضة جديدة تأتينا بأسماء لا ترى نفسها في المعارضة إلا عبر تناول الآخر والانقضاض على ما حققه سابقا ..حتى أن بعضهم يريد أن يعريك من شرف أنك سجنت بسبب رأيك ..!! وكل معارض خارجها بالقدح والتشهير والإساءة الشخصية والسياسية وهذا داء من أمراض معارضات الخارج السوري الذي يختلف معها أو لا يلبي شروطها سواء في السياسة رمزيا أومن زاوية ـ البزنس ـ .. ومن أجل ألا تبقى هذه النقطة معومة ومفهومة خطأ ـ ليس عيبا أن يطرح أي سوري نفسه كمعارض بزنس ولكن العيب أن يطرح نفسه بديلا عن الآخرين ..بينما عليه أن يطرح مفهوما راقيا للتعايش والاختلاف الذي يريد التعايش لا الشقاق .
وقبل الانتقال للقسم الثاني : الاعتقالات الأخيرة أتت تأكيدا على أن هذه السلطة لا تريد الخير لا لمجتمعها ولا للمجتمعات التي حولها ..

القسم الثاني ..

سنعود إلى قضية الإعلانات ولماذا تكاثرت بعد إعلان دمشق ..الموضوع بسيط لأنه أول إعلان بتاريخ المعارضة السورية يحوز على هذا الإجماع داخل صفوف المعارضة . كما أن هذا لا يعني مطلقا أن إعلان دمشق يحتكر الحقيقة ـ ولن يستطيع طرفا مهما كان أن يحتكر الحقيقة وهذا محايثا وجوديا ـ حتى بالمعنى الفلسفي للعبارة ـ لإمكانية الحوار بين البشر في الحياة ـ وكان لنا ملاحظات كثيرة على نصه لكنه خلق نواة لتشكيل معارضة سورية وليس معارضات كما نوهنا بالقسم الأول من هذه المقالة . وسوريا تتسع لإعلانات وآراء كثيرة لكنها تحتاج لمعارضة واحدة لا يوجد فيها لا إقصاء ولا تهميش ولا التحلل من أية قيمة ديمقراطية في حق الاختلاف . والسبب الآخر أن الإعلان هو بمثابة موقف سياسي واضح . وهو عبارة عن تقاطعات برنامجيه وسياسية وليس رأيا أحاديا . وربما على هذا الأساس كتبت مقالتي حول إعلان دمشق وجبهة الخلاص # والتي لم ترض بعض أطراف جبهة الخلاص في فضاء المحاولة التي تستهدف وجود معارضة سورية واحدة .. وليس سرا إن قلت التالي : في لقاء للتحالف الديمقراطي السوري كنت مدعوا له بصفة مراقب جرى حوارا معمقا مع شخصية دبلوماسية أمريكية في باريس : خلاصة ما تقدمت به في هذا الحوار هو التالي :
على الإدارة الأمريكية إن كانت معنية بقضية الديمقراطية في سوريا فعلا أن تدعم المطلب الديمقراطي السوري وليس هذا الفصيل أو ذاك هذا الحزب أو ذاك بل تدعم المطلب الديمقراطي المؤسسي بغض النظر عن توافق المنضوين تحت هذا المطلب مع السياسية الأمريكية في المنطقة أم لا ..وهذا الأمر يجعلنا نعود إلى قضية مبدئية فأنا حتى لو اختلفت معك لكنني أدعم توجهك الديمقراطي المؤسسي والذي لا يستند على مرموزيات شخصانية ..لأننا لا نريد الذهاب من تحت [ الدلف لتحت المزراب ] . نحن لا ينقصنا شخوصا رموزا !! فهم كثر ما شاء الله في الداخل والخارج نحن ينقصنا وعيا مؤسسيا وأطر مؤسسية ديمقراطية بالمعنى الفعلي للعبارة . وللتأكيد على هذا الأمر شخصيا ليس لدي اعتراض على سوري يطرح نفسه كمعارض لسببين :
الأول لأنني لا أمتلك الحق ولا الحقيقة في إعطاء شهادات لأحد ولا حتى أن أفكر بهذه الطريقة .. نختلف ربما لا نتفق أيضا ربما لكنه بالنسبة لي هو معارض وسيبقى معارض مادام هو يقول عن نفسه أنه معارض . والسبب الثاني أن هذا الحق تكفله كل الشرائع المتعلقة بحقوق الإنسان . والمثال الآتي يوضح ما نرمي إليه : في حواري لمرة واحدة مع السيد سومر الأسد نجل رفعت الأسد ـ الغني عن التعريف ـ حاورته لأنه يطرح نفسه كمعارض اختلفنا ولم نتوصل على نقاط تقاطع ذات معنى . فلم نتناول بعضنا بسوء . ولم نشعر بعدها أننا يمكن أن نجلس مرة أخرى للتحاور لأن هنالك قضايا صعب الاتفاق عليها ولكن لا يعني مستحيل فالمطلب السوري الديمقراطي يعني كل سوري ..حتى ولو كان رأيه : انه يريد مثلا ديمقراطية طائفية !! هذا رأي وعلي أن اعترف بوجوده في الشارع السياسي السوري أو ديمقراطية قومية على طريقة بعض رفاقي وأصدقائي في الحركة الكردية . أو حتى من الذين يؤمنون أن الإصلاح يجب أن يحافظ على جزء من هذا النظام كي لا تنفلت البلد أو كما يعبر بعضهم بطريقة أخرى :
لا يريد أن تذهب السلطة من يد الطائفة حتى لا تنهار البلد وحتى يتم ترسيخ ثقافة مواطنة . فهذا رأي أيضا علينا التعامل معه وحواره فهو جزء من الشارع السوري الشعبي والمعارض .
ولكن على أي معارض أن يقدم رؤيته نصيا ومؤسسيا لمستقبل سوريا وآليات التغيير فيها . لهذا أنا نقدت إعلان سوريا على أرضية أنه طرف ينحو نحو المؤسسية في مطالبه الديمقراطية لسوريا هل ينجح أم لا هذا متروك للمستقبل ..هذا من جهة ومن جهة أخرى هنالك كما قلنا من يدعو لانضمام رفعت أسد لصفوف المعارضة حسنا أين البرنامج الذي طرحه السيد رفعت الأسد خارج إطار : شعار [ عودة القائد ] لأن الجماهير السورية تنتظر عودته بفارغ الصبر ؟ في الحقيقة ليس لدي أية معلومات عن السيد رفعت الأسد وبرنامجه غير هذا الشعار وهذا ليس كافيا فحسب بل منافيا للمطلب الديمقراطي السوري . هذه آراء كل من ذكرت سواء في القسم الأول من المقال أو في هذا القسم , وعلينا الاعتراف بوجودها وحقها في هذا الوجود والتحاور معها .
وهذا يقودنا إلى ما يعرف بميزان القوى السلمي ليحسم لمن الأكثرية في الشارع ومتطلبات هذا الميزان وسبل الوصول إليها للكشف عن حقيقة ما يمثله كل اتجاه داخل الشارع السوري بما فيها الاتجاه الموالي للسلطة فكل هؤلاء هم أبناء سوريا ومن حقهم أن يكون لهم رأيا بمصيرها لأنه مصيرهم أيضا ومصير أبناءهم وأحفادهم . فكل هذه الإعلانات والجبهات والمحاور والتجمعات مهما كان رأيها ـ شريطة أن تؤمن بالديمقراطية والتعايش الحر الكريم وحتى لو كانت لا تؤمن بذلك لكن عليها أن تقبل الوسائل الديمقراطية سبيلا للوصول إلى تحقيق برنامجها ـ
إذن سواء إعلان دمشق أو جبهة الخلاص أو إعلان سوريا أو غيره من الإعلانات والتيارات هي جزء من المعارضة السورية أو يجب أن تتحول إلى جزء من المعارضة السورية الواحدة ذات المطلب المؤسس ديمقراطيا وليس ببقائها معارضات تشتم بعضها وتريد الصعود إلى حساب بعضها بعضا بطرق لا ديمقراطية . وهذا يقودنا مرة أخرى إلى إعلان بيروت دمشق الذي أدى إلى حملة الاعتقالات الأخيرة لو كان هنالك معارضة واحدة حقيقية كما نأمل من كل الأطراف لما شاهدنا هذا التواطؤ من قبل بعضهم على اعتقال ميشيل كيلو وبقية الشباب ...هذا من جهة ومن جهة أخرى في حواراتي مع قسم من الرموز القائمة على هذه الإعلانات لم تستطع أن تتحرك خارج دائرة / إما معي أو ضدي / في ثنائية إقصائية واضحة المعالم .
يبقى سؤالنا مشرعا للمساهمات في هذا الحوار : كيف لنا من كل هذه الكوكبة أن نخلق معارضة واحدة بالمعنى المؤسسي تحافظ على الكيانات الموجودة وتوحد المطلب الديمقراطي السوري وتتعايش وتحل خلافاتها ديمقراطيا ..هل هذا ممكن ؟! يبقى الأمل يحدونا في ذلك ..
ـ1ـ
لا بد بداية من التوضيح أنني أرى أن من واجبنا الحقيقي نقل ما يدور في الشارع المعارض والشعبي من قضايا يتم التواطؤ عليها من أجل ورشة حقيقية لإنتاج مفهوم سوري عصري للمواطنة
ومفهوم المواطنة ..جاءتني ملاحظة حول إيرادي لعبارة يقولها بعضهم ويرددها آخرين بحجج وعلى ضوء خلفيات شتى وهي العبارة التي تقول [ لن نعود إلى مرحلة كان فيها النساء العلويات يخمن في بيوت السنة ] هذه العبارة لم يكن القصد منها الإساءة لكائن من كان وهل يسيء المرء لنفسه !! بل القصد منها توضيح هذا الخلط في القيم والمفاهيم التي لم يتسنى لها بعد أنى تدخل حيز الفعل الكتابي رغم أنها جزء مهم وفاعل في ثقافة جزء من أبناء وطننا الحبيب ..وهذا الحيف لم يكن خاصا بهذه الشريحة من أبناء وطننا بل خاصة بأبناء كل الريف السوري من كرد وعرب وهي تخص مرحلة إقطاعية أرستقراطية ـ يمكن للمرء مراجعة روايات الروائي السوري محمد إبراهيم العلي ومسلسل أبو عيشة كما اشتهر حين عرضه على التلفزيون السوري ..كيف لنا أن نتخلص من عقابيل هذا المورث الشفهي الذي يساهم في شحن الإحساس بالمواطنة في قيم ما قبل مدنية وهذا هو السبب الذي نرى من خلاله أننا يجب أن نعرف أنفسنا قبل أن نعرف الآخر وهو هنا الفكر الغربي الذي انتج مفهوم المواطنة في خصوصياته التاريخية . كما أن العبارة هذه ليس القصد منها استفزازي مطلقا وإن فهمت على هذا الشكل فأنا أعتذر عنها تماما .
ـ2ـ
التوضيح الثاني والذي يتعلق بأننا إنما نثير هذه القضايا على أرضية إحساسنا بقيامها في فعل ممانعة أي إصلاح أو تغيير في البنية السورية ويجب أن تناقش كي لا تنفجر في وجوهنا كما انفجرت في أكثر من منطقة من العالم والعرق نموذجا حيا أمامنا..فالولاءات الما قبل سياسية لازالت حاضرة في وعينا ولا وعينا كشعب سوري ومعارضته ليست خارج إطاره . كيف يتم إنتاج مفهوم المواطنة السورية المعاصر والعصري دون أن يهضم حق من حقوق أي مكون من مكونات شعبنا السوري بكل أديانه وطوائفه وقومياته . ولا يجب أن تحجب عبارة سيئة هنا أو كلمة تعبر عن معنى مخاتل هناك عن الهدف الحقيقي لما نسعى إليه وهو سوريا حرة ديمقراطية لكل مواطنيها .
ـ3ـ
نحن في سياق هذه العملية النقدية للفكر والواقع إنما نسعى لخلق فضاءات تحاور من أجل وطن سوري حر كريم ومواطن يعلي انتماءه السوري فوق أي انتماء ..
حيث أننا : عن لم نكن نريد الوصول لهذا الهدف الذي يحمي كل مواطن سوري بغض النظر عن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي فما نفع كل ما نقوم به .

سورية ومسلسل الاخطاء الداخلي

سورية ومسلسل الاخطاء الداخلية

تتعرض سورية هذه الايام الي حملات اعلامية وضغوط سياسية من جهات متعددة، بعضها ينطلق من جماعات معارضة مستقلة، والبعض الآخر بتحريض من الولايات المتحدة والجهات المرتبطة بمشاريعها للهيمنة علي المنطقة، وتوظيفها في خدمة الدولة العبرية ومخططاتها الاستيطانية.
في ظل هذه الاجواء من المفترض ان تتبع الحكومة السورية سياسات ذكية، تحصن جبهتها الداخلية، وتكرس الوحدة الوطنية، وتغلق كل المنافذ والثقوب التي من الممكن ان تسمح باختراقات تصب في مصلحة هذه الضغوط والحملات والذين يقفون وراءها. ولكن ما يحدث هو العكس تماما.
نحن هنا نشير الي قرار السيد ناجي العطري رئيس الوزراء السوري بفصل جميع الموقعين علي اعلان دمشق ـ بيروت من وظائفهم، ومعظم هؤلاء من الحقوقيين والناشطين سياسيا، ومن المنتمين الي جماعات واندية المجتمع المدني.
الاعلان المذكور لم يكن بيانا معارضا للحكومة السورية، ولا يؤسس لانقلاب عسكري او سياسي، وانما يطالب بعلاقات اخوية وثيقة بين القطرين الشقيقين، ويؤكد علي القواسم المشتركة بينهما، ولهذا لا يستحق الموقعون عليه هذه العقوبة غير الانسانية.
الفصل من العمل يعني تجويع اسر كريمة، والزج باطفالها الي الشارع بحثا عن لقمة العيش. وهذا تصرف لا يليق بالحكومة السورية التي تقف مواقف وطنية صلبة في مواجهة الجبروت الامريكي، والاستكبار الاسرائيلي، وتحافظ علي الثوابت القومية في دعم المقاومة الفلسطينية واحتضان فصائلها.
المفصولون من العمل لم يرتكبوا اي جريمة، ولم يعملوا في الظلام تحت الارض، وانطلقوا في التوقيع علي اعلان دمشق ـ بيروت من قناعات وطنية، يرون انها تخدم بلادهم، وتحافظ علي وحدتها وتماسكها في مواجهة المؤامرات التي تحاك ضدها، انطلاقا من لبنان نفسه.
التعبير الحر عن قناعات يري اصحابها صوابها ليس جريمة تستحق الحرمان من الحياة الكريمة، والنبذ من قبل الدولة ومؤسساتها، خاصة في بلد مثل سورية من الصعب ايجاد اي عمل آخر في ظل هيمنة المؤسسة الامنية علي القطاعين العـــام والخاص.
ان مثل هذه الممارسات الانفعالية النزقة تصب في خدمة اعداء سورية والمتربصين بها، وتسهل مهمة من يبحثون عن اعذار وذرائع لتشديد الحصار، وتكريس العزلة العربية والدولية.
فبالامس كانت حملة الاعتقالات التي استهدفت نشطاء المجتمع المدني، مثل ميشيل كيلو وفاتح جاموس وغيرهما، واليوم فصل موقعي اعلان دمشق ـ بيروت من العمل، ويعلم الله وحده كيف ستكون الخطوة المقبلة ومتي ومن تستهدف؟
الحكومة السورية، التي تمثل بلدا حضاريا عريقا، يجب ان تتصرف بكبر وكبرياء في الوقت نفسه، وتتحلي باعلي درجات ضبط النفس وسعة الصدر، وتترفع عن الصغائر، ولكن علي من تقرأ مزاميرك يا داوود؟

منظمة حقوقية سورية تدين فصل الموقعين علي إعلان دمشق ـ بيروت من وظائفهم

منظمة حقوقية سورية تدين فصل الموقعين علي إعلان دمشق ـ بيروت من وظائفهم

دعت رئيس الوزراء للاهتمام بتجاوزات المسؤولين واولادهم
لندن ـ يو بي آي: دان المرصد السوري لحقوق الإنسان قرار رئيس مجلس الوزراء السوري محمد ناجي العطري فصل 17 موظفاً من الخدمة من ناشطي حقوق الإنسان لتوقيعهم علي إعلان دمشق ـ بيروت.
وأبلغ رامي عبد الرحمن مدير المرصد الذي يتخذ من العاصمة البريطانية، لندن، مقراً له، يونايتد برس إنترناشيونال امس الاثنين أن صرف هؤلاء من الخدمة وحرمانهم من قوتهم وقوت عائلاتهم لأسباب تتعلق بآرائهم ومواقفهم المشروعة يعتبر انتهاكاً صارخا لحقوق الإنسان المنصوص عليها في الدستور السوري والإعلان العالمي لحقوق الإنسان خاصة المادة 23 منه . وقال إن لجوء النظام السوري الي هذه الممارسات من شأنه أن يزيد الإحتقان في الشارع السوري لأن القرار لم يفرّق بين الصرف من الخدمة لأسباب مسلكية وبين الصرف علي خلفية التعبير عن الـــرأي والفكر والمشاركة في معالجة الأزمات التي تشهدها البلاد .
وطالب عبد الرحمن رئيس الوزراء السوري بمراجعة قراره، الذي وصفه بـ الظالم ولا يمت الي شرعة حقوق الإنسان بصلة . وأضاف ندعو رئيس الوزراء الي التركيز أكثر علي التجاوزات التي يقوم بها بعض المسؤولين السوريين وأولادهم في الداخل والخارج ولا تخدم مصلحة سورية بل مصالحهم الشخصية بدلاً من معاقبة هؤلاء الناشطين لمجرد التعبير عن آرائهم والتي لا تصب إلا في مصلحة سورية كوطن .

إقالة 17 موظفاً لتوقيعهم على إعلان بيروت ـ دمشق

إقالة 17 موظفاً لتوقيعهم على إعلان بيروت ـ دمشق

محكمة سورية تتهم المعارض كمال لبواني


بالتخابر مع أميركا وبالتحريض ضد بلده

أعلنت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سوريا أن محكمة سورية وجهت إلى الناشط المعارض كمال لبواني تهمة التخابر مع دولة أجنبية هي الولايات المتحدة والتحريض على العدوان على سوريا، كاشفة أن رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري أصدر أخيرا قراراً يقضي بإقالة 17 موظفاً في القطاع العام من وظائفهم على خلفية توقيعهم على إعلان بيروت ـ دمشق أو بسبب تأييدهم له.
وجاء في بيان للمنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سوريا "جرت اليوم في القصر العدلي في دمشق محاكمة المعارض كمال لبواني بحضور بعض محامي المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان".
وقال رئيس المنظمة عامر القربي إن "المحكمة أكدت اتهامها للبواني بالاتصال بدولة أجنبية بقصد العدوان على سوريا وفق المادتين 264 و287". وأشار إلى أن "لبواني طلب معرفة اسم هذه الدولة فأجابه القاضي بأنها الولايات المتحدة".
ونقل القربي عن عضو مجلس إدارة المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحامي لبواني، عبد الرحيم غمازة، قوله إن "النيابة العامة اعتبرت الدعوة إلى زيادة الضغط على سوريا بمثابة اتصال مع دولة أجنبية وتحريض على العدوان". أضاف أن "هيئة الدفاع طلبت الاستماع إلى مقابلة لبواني مع قناة الحرة بشكل علني وقد أجلت الدعوة للدفاع إلى 16 من الشهر المقبل".
واعتقل لبواني مطلع العام أثناء عودته من الولايات المتحدة حيث التقى هناك عدداً من المسؤولين في الإدارة الأميركية كما أجرى لقاءً مع قناة "الحرة" اعتبرته سوريا بمثابة تحريض للعدوان عليها.
وأشارت المنظمة الى أن رئيس الوزراء السوري "أصدر القرار الرقم 2746 بتاريخ 14 حزيران (يونيو) والقاضي بفصل 17 موظفاً من الخدمة من دون إبداء الأسباب".
وعددت في بيان الوزارات التي يعمل فيها الموظفون المفصولون وبينها وزارات الصحة والتعليم والنفط والإعلام والزراعة.
أضافت المنظمة في البيان "يعتقد أن فصل هؤلاء تم على خلفية توقيعهم على إعلان بيروت ـ دمشق أو بسبب تأييدهم له مثل بعض مثقفي محافظة السويداء. إذ أن المشترك الجامع لهم هو التوقيع أو تأييد إعلان بيروت ـ دمشق والذي اعتقل على خلفية توقيعه عشر ناشطين".
ودان المرصد السوري لحقوق الإنسان قرار عطري، وقال مديره رامي عبد الرحمن الذي يتخذ من العاصمة البريطانية، لندن، مقراً له، "إن صرف هؤلاء من الخدمة وحرمانهم من قوتهم وقوت عائلاتهم لأسباب تتعلق بآرائهم ومواقفهم المشروعة يعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان المنصوص عليها في الدستور السوري والإعلان العالمي لحقوق الإنسان خصوصاً المادة 23 منه".
ورأى "ان لجوء النظام السوري إلى هذه الممارسات من شأنه أن يزيد الاحتقان في الشارع السوري لأن القرار لم يفرّق بين الصرف من الخدمة لأسباب مسلكية وبين الصرف على خلفية التعبير عن الرأي والفكر والمشاركة في معالجة الأزمات التي تشهدها البلاد".
وطالب عبد الرحمن رئيس الوزراء السوري بمراجعة قراره، الذي وصفه بـ"الظالم ولا يمت إلى شرعة حقوق الإنسان بصلة". وقال "ندعو رئيس الوزراء إلى التركيز أكثر على التجاوزات التي يقوم بها بعض المسؤولين السوريين وأولادهم في الداخل والخارج ولا تخدم مصلحة سوريا بل مصالحهم الشخصية بدلاً من معاقبة هؤلاء الناشطين لمجرد التعبير عن آرائهم والتي لا تصب إلا في مصلحة سوريا كوطن".
الى ذلك، وجّه المعارض السوري القائم بأعمال المنسق العام للتجمع الوطني الديموقراطي السوري (تود) مروان حمود رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد أمس دعاه فيها إلى "إصلاح الحال والأحوال والعودة إلى أهله ودياره السورية".
وقال حمود في الرسالة "نكتب إليك أيها الرئيس.. لنصارحك بمأساتنا وإننا على الرغم من خيبات الأمل التي منينا بها جراء وعودك في الإصلاح والإنفراج لا نزال نتوق إلى الإنعتاق والتحرر وإلى حياة أفضل وإلى حاضر ومستقبل يحقق ويضمن إنسانيتنا".
أضاف حمود المقيم في النمسا "ان سوريا ومن جراء التخبط والتلكؤ الذي تمارسه أنت وفريقك تسير إلى الهاوية ونحو الكارثة وأصبحت اليوم أضعف بكثير كما أن ضعفها يزداد يوماً بعد يوم.. وبات أعداؤها يتكاثرون ويتكاتفون ويعملون من أجل الانقضاض، أما أنت فتقف متفرجاً وبدلاً من الانفتاح على شعب سوريا وعلى نخبتها نجدك تبتعد أكثر فأكثر.. انطلاقاً من حبنا اللامحدود لوطننا سوريا نناديك لننهض معاً من أجل بناء بيتنا السوري وجعله قلعتنا الحصينة والآمنة ونتوجه إليك لكي نقف معاً صفاً واحداً في خندق الإصلاح والبناء لنبني معاً بيتنا الجديد على أسس الحرية والعدالة، على أسس الولاء للوطن السوري، ولنشيد معاً الصرح السوري الشامخ على قواعد الشفافية والمصالحة والوفاق".
وخلص حمود في رسالته إلى القول "نريد أن تكون سوريا هي الوطن وليس مجرد تراب، ونريد أن يكون الرئيس معنا في إعادة بناء وتكوين بيتنا الجميل.. إننا نريدك رجل سوريا القوي رجل الإنقاذ والوفاق رجل الغد السوري المشرق".

(ا ف ب، ي ب ا)

الوضع البيئي في 18 بلداً عربياً: وتفوق سورية بالتلوث

الوضع البيئي في 18 بلداً عربياً: وتفوق سورية بالتلوث

د. سلطان أبازيد

خاص – صفحات سورية -

نشرت الحياة في 17 حزيران، العدد 15719 ـــ التقرير الإقليمي للاستطلاع البيئي في 18 بلداً عربياً، مشيرة لأسباب التدهور وإبراز المشاكل، ونظمت الاستطلاع مجلة " البيئة والتنمية "، بالتعاون مع المكتب الإقليمي لغرب آسيا في برنامج الأمم المتحدة للبيئة( يونيب )، والأمانة الفنية لمجلس الوزراء العرب المووليين عن شؤون البيئة.
لقد بين هذا الاستطلاع، حسب البيانات الموضحة للتقرير، أن تونس من أفضل البلدان العربية بيئياً، إذ 24% من التونسيين يرون أن التلوث أسوأ، و54% ..أحسن، و 22% لا تغير، بينما قطر ...31% أسوأ ، و 53% أحسن، و 13% لا تغير.
وجاءت سورية في هذا التقرير كدولة رائدة بمسألة البيئة!، إذ كانت نسبة السوريين الذين قالوا أن الوضع أسوأ 90%، و 7% أحسن، و13% لا تغير.
ويعلن التقرير عن هذه المسألة:ــــ
ـــ أعلى نسبة للذين وجدوا ( أن وضع البيئة تدهور، سجلت في العراق 93%، وهذا أمر مفهوم...وفي حين يمكن إرجاع أسباب التقييم السلبي في العراق 93%، والأراضي الفلسطينية 81% إلى الحرب والإحتلال، لابد من التفتيش عن أسباب أخرى لارتفاع نسبة التقييم السلبي في سورية 90%! ).
نعم هناك أسباب أخرى، ومسؤولية النظام الشمولي، الذي جعل من سورية حسب هذا التقرير " قلب تلوث البيئة النابض "، فلم يكتف بكم الأفواه واعتقال نشطاء المعارضة، وتدهور الوضع الإقتصادي، وارتفاع نسبة الفقر في سورية إلى 60 % ، وجر الوطن للمأزق السياسي الذي تعيشه اليوم، من خلال سياسة هوجاء، باسم شعارات وطنية، يمارس عكسها لإدامة هذه السلطة الفاسدة، التي استولت على مقدرات البلاد، وثرواتها الطبيعية والبشرية، لمصلحة نخبة لا تتعدى العشيرة، شعارها أنا أو الفوضى!.
فبدلاً من نشر ثقافة البيئة، ورصد الأموال اللازمة في هذا المنحى، للتخفيف من التلوث، القائدة فيه بين 18 بلداَعربياَ ، التي تناولها التقرير، تقوم السلطة بتصحير غوطة دمشق أمام جشع مضاربي العقارات من أهل النظام وأزلامهم، الذين حولوا الخضرة إلى يابسة، بتشييد الأبنية الشاهقة مكان الأشجار الباسقة، وغدا أهل دمشق يقضون نزهتهم بين جدران الإسمنت وقليلا من الأشجار.
فعندما يعم الفساد والقهر، ومصادرة الرأي الآخر وقمعه، ويعطى لقوى الأمن ، حرية التصرف بحق العباد، لا يمكن أن نرجو أن تكون الحالة البيئية، أكثر مما كشفه التقرير عن البيئة في سوريةً، فالنظام منهمك بترتيب أوضاعه، ضمن عزلة عربية ودولية، من أجل ضمان استقراره واستمراره في السلطة بأي ثمن، معتمداً على تقوية العلاقات مع إيران ومشروعها النووي، ظاناً أنه من خلال هذه العلاقات مع إيران وحزب الله بلبنان وحماس، يمكن أن تحميه من الضغوط الدولية، والخروج من المأزق، الذي جر البلاد البه ووضع نفسه فيه، من خلال سياسة الهروب إلى أمام، ورفع الشعارات الطنانة، التي لم تر النور يوماً.
فالبيئة وإصلاحها لا يمكن لا يمكن فصلهما عن سياسة النظام الشمولي في سورية الفاسد والمفسد .!

فلسفة الغزاة الجدد

فلسفة الغزاة الجدد

احسان طالب

خاص – صفحات سورية –


كان الغزو في جاهلية العرب ثقافة جمعية فرضتها طبيعة القيم السائدة و أصلتها الحاجة وقلة الموارد وغياب العلائق الحضارية بين القبائل المتناثرة في بيداء الجزيرة العربية . وتطور العقل العربي ليجسد في الغزو حالة من الثورة على الفقر وخروجاً على الظلم الاجتماعي السائد ، فظهرت حركة الصعاليك وحولت غاية الغزو إلى سعي لتحقيق التوازن بين الأغنياء و الفقراء . وجسد شعراء الصعاليك كعروة بن الورد تلك الغايات في قصائدهم.
جاء الإسلام ليتم مكارم الأخلاق التي رآها سائدة وأعطى لمفهوم الغزو صفة قدسية وأبعاد جديدة ، حيث عده جهاداً في سبيل الله وطلباً للشهادة في سبيله وسعى لإعلاء كلمة الحق وإزالة الطغيان والظلم الجاثم على رقاب العباد.
انطلقت الغزوات الجهادية في عهد النبوة في اتجاهين ، دفاعاً عن النفس وفتحاً للأرض. واستمرت في عهد أبي بكر حفاظاً على الدولة الفتية وبقاءها واستمرارها فكانت حروب الردة التي أودت بعشرات الآلاف من الطرفين .
استمر الفتح الإسلامي ( الغزو ) ودخل قلب أوروبا غرباً وحدود الصين شرقاً. ولم يهدأ إلا بسقوط الدولة العثمانية المعقل الأخير لدولة الخلافة التقليدية.
وباستقراء فلسفة الغزو أو الجهاد في الأصول الإسلامية، نلحظ ثلاث رغبات رئيسة قام عليها العقل والفكر ألجهادي قديما.
1- استباق العدو وغزوه في داره لإظهار القوة ومنعه من المبادرة بالحرب ـــ غزوة مؤتة ، صراع هارون الرشيد مع الدولة الرومانية ــ كنماذج .
2- الرغبة في هداية الأقوام الضالة وتشمل كل الخارجين من دائرة الإسلام أو من دائرة خضوعه.
3- الحلم باختصار الطريق إلى نعيم الجنة وشهواتها وملذاتها من جنس وطعام وشراب. مقترنة بروحانية القرب من الخالق عز وجل ولذة النظر إلى وجهه الكريم ومجاورة النبي والأولياء الصالحين .
من بين ثنايا النصوص ونبشاً في أطراف قصص التراث، والتقاطاً لإيحاءات وتفاسير وتأويلات متطرفة، استطاع جيل جديد من نخبة المثقفين الإسلاميين تأسيس تيار جديد للغزو حشدوا له الأدلة والبراهين النصية والتراثية. وأسسوا لمفهوم جديد وفلسفة مبتكرة للجهاد والغزو.
تلك الفلسفة الجديدة التي هيأت تربتها مفكرون اخوانيون ـ سيد قطب ـ معالم الطريق، تلقفها أساتذة جامعيون ـ محمد عمارة ـ وخصبوها وأزكوا نار الانتقام في باطنها فتلقفها شبان ــ حينها ــ من مختلف الجنسيات .عبد الله عزام، أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، وحولوا حالة الغليان الفكري إلى عمل وحركة نشطة على الأرض ووضعوا المبادئ والأفكار موضع التطبيق وعاثوا في البلاد فساداً وبالعباد قتلاً وإرهابا.
وفي غمرة الصراع المحتدم بين الأفكار جذبت الأحداث المأساوية والهزائم المتوالية في بلدان العرب والمسلمين إلى تيار الغزو نوع جديد من الجهاد يين تحولوا من الإجرام التقليدي والخروج المرفوض على المجتمع والقانون ( أبو حمزة المصري وأبو مصعب الزرقاوي ) إلى الانطواء تحت رايات الجهاد المزعومة للجيل الأول وأسس فلسفة جديدة ومفاهيم خطيرة لفكرة الجهاد والغزو قامت على :
1- الاستهتار المبالغ في الحياة الإنسانية واعتبار الحياة موهوبة في الأصل لإزهاقها بأسرع وقت ممكن.
2- عدم التفريق في القتل بين المسلمين وغيرهم فإذا اقتضى الموقف قتل آلاف المسلمين من أجل القضاء على كافر واحد فليس هناك مشكلة.
3- تحويل الغزو إلى صراع داخل منظومة الطوائف الإسلامية . واعتبار قتال وقتل المخالف في المذهب أو الطائفة من المسلمين جهاداً في سبيل الله ارتكازاً على نصوص مأثورة عن الفرقة الناجية وتفسيرات وتأويلات للآيات مجتزأة من القرآن الكريم عن تلك الفرقة التي تتصف بقلة عددها مقابل سبعين ضعفاً أو أكثر من مخالفيها أبناء الأمة الآخرين . هي الفرقة المنصورة المنطوية تحت قيادة أمير من الغرباء تبايعه على السمع والطاعة في المنشط والمكره في السلم والحرب تواليه وتعادي كل ما خلاه . الفرقة التي ترفع راية الهجرة و الجهاد إلى قيام الساعة .
نسوا الله والإيمان والروح والنبوة والأخلاق والرحمة والعفو والصفح والتسامح والإحسان واللين وحصروا كل تعامل إنساني وأخلاقي بين أتباعهم ومواليهم دون غيرهم من البشر.
سلكوا سبيل الشيطان وأحلوا قيم الثأر والانتقام الجاهلية محل مفاهيم العدل والحق والمساواة ، تفاخروا بشرب الدماء وتقطيع الأجساد وجز الرؤوس وغدا الموت غاية وسفك الدماء شعاراً وسعار الحرب والحرق والتدمير غذاءً لعقولهم وأرواحهم المهووسة بالجنس والملذات والشهوات المؤجلة والموعودة مكافأة على القتل والانتحار.
روعوا الآمنين بدون إنذار ــ غزوة مانهاتن 11/9/ ــ اغتالوا المسلمين من نساء وأطفال وعمال ــ غزوة بالي في إندونيسيا ــ .
انتقاماً لموت قائدهم المؤمن المجاهد فجروا المساجد والمطاعم والأسواق في بغداد، قتلوا وجرحوا المئات من المسلمين الأبرياء خلال أيام، فجرو أجساد النائمين في مسكنهم ـ غزوة الرياض ، لم يشفي غليل حقدهم أشلاء الأجساد وسواقي الدماء .
إن المسؤولية عن دعم وتنشيط وتأسيس والدعاية لتيار الغزو في راهننا المؤلم ليست أخلاقية أو تاريخية فقط، بل هي مسؤولية جنائية وقانونية وخرق لكل القيم السماوية والأرضية التي تعارفت عليها البشرية قبل الديانات السماوية ومعها وبعدها .
كل عالم أو كاتب أو مفكر أو خطيب أو إعلامي يدعم الإرهاب تصريحاً أو تلميحاً بأقواله وكتاباته وخطبه ودروسه ينبغي محاكمته والاقتصاص منه ولم يعد مقبولاً الوقوف عند حالة الشجب والتنديد والاستنكار ، فمسؤولية المحرض على الجريمة في القانون لا تقل عن مسؤولية الفاعل وفي بعض القوانين الجنائية العربية ــ سوريا مثلاً ــ تعد جريمة التحريض على فعلها أو ارتكابها جرماً أخطر وأكبر من الفعل ذاته لأن المحرض الواحد يدفع بمئات المجرمين لارتكاب آلاف الجرائم وهو قابع في كرسيه خلف لحيته أو مكتبه ، فوق منصة المنبر ، أو تحت فضاء إعلامي مأزوم .

بديل الكراهية

2006-06-19

بديل الكراهية

صبحي حديدي


خاص – صفحات سورية –

أنظر صفحات المحاور: محور المثقف وكرة القدم


يؤثر عن بيل شانكلي، المدرّب الأسبق لفريق ليفربول البريطاني، هذا التعليق الصاعق حول كرة القدم: "يعتقد بعض الناس أن كرة القدم هي مسألة حياة أو موت. وأستطيع أن أؤكد لكم أنها أكثر جدّية من هذا"! والروائي الأمريكي بول أوستير اعتبر أن هذه الرياضة هي "البديل عن سفك الدماء" في الحروب الكونية، ولكن أيضاً في الحروب الأهلية. وفي مقالة قصيرة فاتنة حول أبرز دروس الألفية المنصرمة، اختار أوستير أمثولة كرة القدم بوصفها "معجزة" الأمم الأوروبية في ممارسة كراهية الآخر دون الإضطرار إلى تمزيق أوصاله في ساحة قتال: "البلدان اليوم تخوض حروبها في ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون السروال القصير. والمفترض أنّ هذه لعبة، وأن التسلية هي هدفها. غير أن الذاكرة الخفية لتناحرات الماضي تخيم على كل مباراة، وكلما سُجّل هدف ترددت أصداء الإنتصارات والهزائم القديمة".

والحال أن علم اجتماع اللعبة، في شطره التاريخي خصوصاً، لا يدنينا كثيراً من خلاصات كهذه فحسب، بل يكاد يبرهن عليها تحديداً، وقبل أي اعتبارات أخرى. ففي بريطانيا، بلد المنشأ، نعرف أن أبكر ممارسة لكرة القدم تعود إلى حادثة حربية وقعت في العام 1000 أو نحوه، حين احتفل البريطانيون بانتصارهم على قائد عسكري دانمركي قام بغزو بلدهم، وفشل، ففصلوا رأسه عن جسده، واستخدموا الرأس كرة قدم. بعد قرن لاحق من ذلك التاريخ، صارت إنكلترا تحتفل بأيام «ثلاثاء المَرافع» Shrove Tuesdays، وهو عيد ديني مسيحي، بإقامة مباريات لكرة القدم تستقطب بلدات بأكملها، وتضمّ قرابة 500 لاعب في كلّ فريق، وتستغرق المباراة اليوم كله، دونما قواعد ثابتة. ولقد عُرفت هذه اللعبة باسم "كرة قدم الدهماء"، لأنّ الأذى الناجم عن دوراتها شبه المنظمة كان يسفر عن العديد من الجرحى، حتى أن الملك إدوارد الثاني اضطرّ إلى حظرها في سنة 1314، وصدرت قرارات منع مماثلة عن إدوارد الثالث وريشارد الثاني وهنري الرابع.

ويشير أوستير إلى أن عنف هذه الرياضة لم يكن وحده سبب انزعاج الملوك، لأنهم في الواقع كانوا أيضاً يخشون من أنْ يؤدّي الكثير من الانغماس في هذه اللعبة إلى إلهاء الناس عن الوقت المخصص للتدرب على الرماية، وأنّ المملكة بذلك سوف تصبح أكثر ضعفاً في استعدادها العسكري لمواجهة الغزو الخارجي. وفي نهاية القرن السابع عشر تراجع دور الرماية في القتال، فاستردت اللعبة مكانتها بتشجيع خاص من شارلز الثاني، وأُدخلت عليها قواعد ثابتة عام 1801، و1836 حين وُضعت ـ في جامعة كامبرج العريقة، وليس في أي مكان آخر! ـ قواعدها الأساسية كما نعرفها اليوم.

وهذه الحظوة الخاصة التي تمتعت بها كرة القدم في ساحة القتال وفي العيد الديني كما في البلاط الملكي والحرم الجامعي، تفسر البعد السياسي العميق الذي يكتنف الكثير من المباريات، وطرائق ائتلاف الوجدان الجمعي لأمّة ما حول الكرة المستديرة. وفي نهاية الأمر، ألا يبدو ظهور الفريق الوطني موحداً هكذا في وجه أمم أخرى، وأمام أنظار مئات الملايين في أربع رياح الأرض، وكأنه المناسبة الوحيدة لتجسيد الوحدة الوطنية في صيغتها القصوى؟ ألم تكن هذه، بالضبط، حال الفريق الفرنسي حين حمل الكاس سنة 1998، بفضل لاعبيه السمر والسود والبيض، سواء بسواء، خصوصاً الجزائري زين الدين زيدان؟ وفي الدورة الماضية، هل كانت هزيمة فرنسا أمام السنغال (وليس أمام ألمانيا، او البرازيل، أو إيطاليا...) خالية من دروس علم اجتماع الإستعمار، وتصفيات الحساب المتأخرة بين المستعمِر والمستعمَر؟

ومن جانب آخر، ألا تبدو صورة «الصراع» من أجل الفوز في الملعب، وكأنها مناسبة استثنائية تتيح للأمّة أن توظّف طاقات أبنائها في قتال «نظيف» مع أمم أخرى قد تكون أكثر جبروتاً في جميع الإعتبارات، لكنها تخضع بالتساوي لقانون كوني واحد يضع الكاميرون على قدم المساوة مع هولندا، ويعطي إيران الحقّ في هزيمة الولايات المتحدة بعيداً عن معادلات الأساطيل والقاذفات والصواريخ الذكية؟ ألا يبدو ملعب كرة القدم وكأنه البرلمان الأمثل لاتحاد شعوب العالم، أو مجلس الأمن الدولي النموذجي، حيث تتساوى الشعوب في الخضوع لقوانين احتساب الهدف والخطأ وضربة الجزاء، وليس لأحد أن يكون عضواً دائماً حاملاً لسيف الفيتو المسلط على الرؤوس؟ وفي هذا الصدد بالذات، قد يكون مفيداً أن نتذكر أن عدد الأعضاء المنتسبين إلى الإتحاد الدولي لكرة القدم (الـ FIFA) يفوق ـ بكثير! ـ عدد الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة.

وإذا جاز أن تكون كرة القدم أكثر جدّية من مسألة حياة أو موت، كما رأى بيل شانكلي، فالأرجح أنّ جوهر السبب يعود إلى علم اجتماع اللعبة، وإلى السياسة الكامنة في باطن اللعب. ثمة الفخار القومي وراء هذا التصارع الرياضي الطبيعي، وانقلاب الملعب إلى ميدان استذكار الخصوصيات القومية والإثنية والثقافية، وانخراط اللاعبين في تنافس محموم للبرهنة على امتياز أممهم وهوياتهم وانتماءاتهم. وثمة، بالطبع، ممارسة تلك الهواية البشرية العتيقة: خوض الحرب الطاحنة، وإنْ بوسائل أخرى!

حوار مع المفكر العربي برهان غليون

حوار مع المفكر العربي برهان غليون

الاستبداد العربي اليوم استبداد بأدوات الحداثة من جيش ودولة وأجهزة

مخافي - لهلالي - حنان الزلاغي
برهان غليون ليس اسما مضافا، أو يمكن أن تبحث له عن تشابه سابق، إنه اسم أساسي في الحقل الفكري وفضاء البحث ، لا يتردد في أن يعبر عن قناعاته الجريئة، وفي الغالب تصبح بمثابة مرجع

حدث ذلك عند نشر كتاب بيان من أجل الديموقراطية، ثم تكرر مع اغتيال العقل، ومازال كل مؤلف له يخلق تاريخه الخاص وقارئه. برهان غليون الذي غادر الفضاء العربي السوري منذ ثلاثين سنة ليستقر بفرنسا، من أجل البحث والتفكير العلمييين ، يستحضر دوما مرجعيته السوسيولوجية وأفقه الانساني عندما يتحدث عن قضايا العرب والعصر.

في مكناس، حيث التقيناه عندما شارك في ندوة محمد الباهي حول الحداثة وانعتاق الإنسان حذر من الاستعمالات الايديولوجية للحداثة ، كما نبه الى ما هو ثابت في تبنيها وما هو متحول.

منذ عقود صدر لكم بيان من أجل الديموقراطية واغتيال العقل، وكان وقتها مفهوم الديموقراطية هو المفهوم المركزي. اليوم تحتل الحداثة مركزية الحوار، هل نحن بصدد إبدالات معينة تخفي مفهوما لتبرز مفهوم أكبر؟

اعتقد أنه اليوم لازال على المستوى السياسي العمل الرئيسي هو توسيع جبهة التحالف من أجل حكومات ديمقراطية تستطيع ان تعيد تشكيل الوضع الاجتماعي والسياسي بشكل يفتح الباب نحو إطلاق موجة الحداثة في العالم العربي. لم تتغير الاولويات، لكن أشعر أن هناك هروبا من المشاكل الحقيقية التي يعاني منها اليسار والحركات الديمقراطية والحركات العلمانية، هناك هرب نحو مفهوم الحداثة باعتبارها مفهوما اسطوريا وليس هروبا نحو الحداثة، هروبا من مواجهة العقبات التي تواجه التحول العربي في اتجاه الديمقراطية وتحسين الاوضاع نحو تحويل الحداثة إلى اسطورة جديدة، الى إيديولوجية جديدة تغطي العجز أكثر من ما تتيح رؤية المستقبل وآليات العمل للخروج من الازمة.

ومع ذلك فالمجتمعات العربية تمر من مأزق كبير وفي ممر ضيق، وهناك في الوقت ذاته تقابل بين الديمقراطية والحداثة: الديمقراطية هي مطلب سياسي تدافع عنه اليوم النخبة، لكنه يتجاوز ها ..

لا أعتقد أن الحداثة شيء نموذجي وإيجابي نضعه في مقابل التقاليد ونقول هاهي ذي الجنة. ولا أعتقد أن هناك تطابقا باستمرار بين جميع المسارات المتعلقة بالحداثة، ولا بين انواع الحداثة المتواجدة بأنحاء العالم. كما أعتقد ان الحداثة يمكن ان تكون أيضا نازية، النازية كانت أيضا حداثة ولم تكن خروجا عن الحداثة، بمعنى ثغرة من ثغرات الحداثة والاستبداد العربي اليوم نوع من الحداثة، وهو استبداد حديث وليس استبداد السلاطين والملوك القدماء، هو لا يستقيم من دون ادوات الحداثة ومن دون الدولة البيروقراطية والجيش. من دون اجهزة الامن ومن دون كل نمط الدولة الحديثة، الحداثة ليست بالضرورة كلها ايجابية. ولا تؤدي بالضرورة الى إيجابيات، نحن مجتمعات حديثة في العالم العربي، لكن المجتمعات الحديثة حداثتها في مأزق، بدل ان تتقدم في الاتجاه الايجابي تتقدم بإتجاه سلبي، نحن لم نعرف معنى الحداثة. هذا ليس له علاقة بالتراث نحن عرفنا الحداثة في عدة صور كلها سلبية، هذا ما يستحق النقاش. عرفناها في صورة الاستعمار، دخلت الحداثة في البلدان العربية عن طريق الاستعمار ، هذا واقع لايمكن ان نخفيه هذا ما أعطى للحداثة سمة معينة عند العرب عن طريق الدولة البيروقراطية والنخب المنفصلة عن الجماهير والمتغربة. هذا ليس خطأ تاريخيا، بل هذا تاريخ. أصبحت الحداثة تحصل أكثر وأكثر اليوم بدعم من نخب تشعر بالخوف من الجماهير وتعزله. وتنادي بالمستنير العادل والمستبد المستنير وتخاف من أي انفتاح على الشعب حتى لاتفقد سيادتها ومواقعها المهددة بالجمهور المغيب والجاهل ولم تعمل عليه اطلاقا، اذن المشكل الحقيقي يكمن بنمط الحداثة التي نعيشها بالبلدان العربية والذي تطور في البلدان العربية. هل نستمر في إغماض عيوننا عن هذه العيوب التي تعاني منها حداثتنا ونحن بحداثة أخرى ونعتبر هذا تراثا ونلغي التفكير في ما نحن فيه، نهرب من المشكل أن نواجه . كيف نجعل من هذه الحداثة العوراء والمشوهة حداثة حقيقية تعكس القيم النموذجية للحداثة، تعكس المرجعية القيمية الحقيقية، بمعني الحرية وتعكس القيم وأخلاق الذاتية الفردية في العقل والاستخدام الايديولوجي للعقل، أخلاق التسامح، اخلاق الآخر حتى وان كان هذا الآخر مختلفا عنا جدريا عن افكارنا على الاقل نحترام وصفه انسانا بقيمته، رغم افكاره، حتى الذين يتحدثون باسم الحداثة ليسوا بالضرورة حديثين في سلوكهم متمثلين بقيم الحداثة يمكن للأشخاص الحديثين ان يمارسوا السياسات المغرقة في المحافظة والتقاليد ونحن نشاهدها في اتجاه المرأة المختلفة الرأي، اتجاه الفقير والفلاح، كما أن هناك بعض الاشخاص حاصلين على شهادات عليا يعاملون الشعب كالعدو فمثلا الحزب الحاكم لتركيا بأفكار اسلامية معدلة، لاتكون أكثر دينامو لتحديد الام التركية لدفع الناس الى المشاركة، يعني الحداثة ليست ملتصقة وليس كلها متطابقة ولا تنتج دائما أشياء ايجابية. ينبغي العمل على الحداثة، الاوربيون لم يصلوا الى ماهم عليه اليوم من قيم وتضامن وعدالة و مؤسسات عاملة ناجحة في خلال يومين. هم لم يدخلوا للحداثة لأنهم قالوا في يوم من الايام ان الانسان مهم. هذا غير صحيح، لأنهم منذ 5 قرون يتصارعون ويتقاتلون. وقتل الملايين في الحرب الأولى والثانية ولايزالون يقتلون بالخارج كالحرب بالعراق وافغانستان وفلسطين، هم تعبوا حتى اعادوا بناء مجتمعاتهم على الاسس التي نعرفها اليوم، ومنذ عشرين سنة كنت في فرنسا. كانت هناك مدن صفيح . نحن نتصور ان العالم يخلق فجأة لانه قرر عمل اختيار حداثي، اصبح عادلا وعظيما وحرا. هم ايضا سبق ان عانوا من الفقر والجوع والنازية والاستبداد. وقتل البعض وسحق الناس واعتقل اخرون، لانهم لم يقولوا نحن قدماء ولاحداثيون ولم يضعوا الحداثة امام التراث. ولم يغرقوا فيما اسميته السفسطة الايديولوجية والفكرية. بل قالوا ان هذا النظام يجب اصلاحه. وقد تصارعوا حول ذلك ، اذ قل عدد الفقراء وعدد مدن الصفيح. وقل الظلم واصبح هناك قانون يضبط اكثر سلوك الافراد وخاصة المسؤولين ويمنع الرشوة. منذ عشرين سنة في فرنسا كان الموظف اذا اخذ بيتا بفضل السلطة التي يمارسها على الآخرين يصبح ملكه وكان ذلك شيئا عاديا، واليوم كل من يأخذ شيئا من الامتيازات من المسؤولين يعتبر مجرما، هذا يعني ان مفاهيم المجتمع تتطور. اذ ليس هناك شيء اسمه الحداثة الثابتة والجاهزة والنموذجية. مشكلتنا نحن في العالم العربي. اننا ننظر الى الحداثة كما لو انها شيء مثالي ونموذجي، ونحن في قلب الحداثة لكن لا نريد ان نصلح الاخطاء التي تتخبط فيها مثلما فعل الآخرون حتى استصلح حالهم.

في كتاباتكم السابقة اعتبرتم أن نفس الفئات التي حملت المشروع القومي، ثم المشروع التقدمي الماركسي تحمل اليوم المشروع الاسلاموي، ألا يطرح هذا سؤال الفئة الاجتماعية التي عليهاأن تحمل مشروع التحديث، ألا نعيش ارتباكا في الحامل الاجتماعي للحداثة؟

أنا قلت بأن نفس الجمهور الذي كان يتبع الحركات القومية واليسارية، أو الجزء الكبير منه يتبع اليوم الحركات الاسلامية، هذا يعني ان الجمهور يتبع القوة المعارضة للنظام، التي لها مصالح متضاربة مع المنظومة القائمة، وهي كالقوة الجارفة فهنا لا يتحكم الوعي والاختيار النظري عند الجمهور الذي يمثل الكتلة الكبيرة المتضررة المصالح، نجد نافذة مفتوحة باسم الديموقراطية. او باسم العدالة الاجتماعية الماركسية او بأي اسم تحارب النظام فنمشي وراءها. في الوقت الذي كانت فيه الحركات اليسارية كان الكل يمشي وراءها، فلم يكن الناس يعرفون ماركس ولينين و لا يعرفون الخلافات التي كانت بين ماركس ولينين طبعا، لا، بل كانوا يرون قوة معارضة للنظام مرتبطة بمنظومة عالمية كبرى لها امل بتعديل الامور فمشت معها، ولما وصلت هذه الحركة إلى طريق مسدود وخاصة بعد انهيار التجربة السوفياتية، اختا اصحابها اليوم تيارات اخرى، التيارات الاسلامية التي بدت وكأنها أكثر قوة نقدية للنظام. ليس بمعنى معارضة منظمة، لكن نقدية بجوهر تفكيرها وجوهر سلوكها، فمثلا تجربة الجزائر واضحة، اذ ان كتلة كبيرة من الجمهور انتقلت خلال فترة قصيرة جدا لتصبح مع قيادة اسلامية هي نفسها لم تتبلور بعد، يعني علي بلحاج و عباس المدني وغيرهما والحركة تكونت خلال سنتين واصبح عندهم الملايين، وهذه الكتلة نفسها انكفأت بسرعة كبيرة لانها لم تكنن وراء عقيدة واضحة، بل كانت وراء مشروع تغيير. انت تقترح صراع مع السلطة، أنا أرفضها وأسير معك، الآن. أعتقد بأن الموجة انحصرت، بمعنى اتجهت في طريق مسدود، فخلال السنوات الماضية فشلت بعض النظم قامت على الدعوة بمعنى على النظم الاسلامية كمافي السودان وأفغانستان،، واليوم في العراق . ،بهذا الخصوص الأحداث الاسلامية تدخل العراق في حرب أهلية، كما نجحت الدول في بعض البلدان في أن تكسر شوكة الحركات الاسلامية، هناك شعور بالمأزق أيضا عند الحركات الاسلامية وهذا ما تراهن عليه الحركات الديمقراطية وحركات المجتمع المدني التي ليست لها قاعدة إطلاقا، قاعدتها هي أن الخائبين، أي من سيخيب ظنهم في قدرة الحركات الاسلامية على إنجاز التغيير سينتقلون إلى نمط جديد من التغيير، هو التغيير بضغط السلمي و بالحوار إلى آخر. الان هناك طريق مسدود وهذا أصل الضياع ولم نتقدم كثيرا في خط الديمقراطية والنشاط المدني لماذا؟ لأن هذه الحركة لاتختار العنف ولا تختار الصدام، بل تختار الطريق السلمي للتغيير، وهذا ما يفترضه الحوار إذ يفترض الحد الأدنى من المفاوضة، أي منطق المفاوضة مع السلطة وحال السلطة العربية ترفض أي حوار وأي مفاوضة. لاتقبل إلا بالعنف، لذلك أنا لا أستبعد أنه بعد عشر سنوات يعود العنف بطريقة مختلفة تحت مظلة إسلامية أو غير اسلامية، مثل ما ظهر بعدد من البلدان بآسيا وأمريكاأي قيادات إجرامية تجمع بين الجريمة وبين السياسة، عصابات تتمرد. هناك النقمة الاجتماعية، لأن هناك شروطا تسمح بعدم الرضى عن الوضع، الطوفان لما تضع في طريقه سدا يحاول كسره، لكنه لايستطيع فيأخذ مسارا آخر، قد تكسب أنت الوقت لكن في لحظة من اللحظات يمكن أن ينتصرالطوفان إن لم نستطع حل المشاكل شيئا فشيئا، يكون هناك طوفان قوي يكسر كل السدود التي وضعتها.

نعيش ايا نزعة ماضوية، قد تعطي للحداثة مفهوما نهضويا..

المجتمعات العربية ليست لديها طموحات ونزعات ماضوية على الإطلاق، المجتمعات العربية لديها طموحات حديثة جدا: نريد المساواة، نريد القانون، نريد العدالة، هذه كلها حديثة لو كانت ماضوية لقالت المجتمعات إن الناس طبقات والله خلقهم درجات، والسيد سيد والخادم خادم، لا.المجتمعات تتحرك تماما بالقيم الحديثة لأنها مثلتها، لماذا فلان ولست أنا وأقول لك هذا خطاب نقد النظام وليس للممارسة، الممارسة هو لماذا أريد أن أغير النظام،لأنه ليس هناك عدالة، ماذا يقول الاسلاميون وغير الاسلاميين، الاسلاميون هم أيضا بشر، البشر الذي يمثله الاسلاميون هو المجتمع، ماذا يطلب، أيقول العودة إلى حكم السيف وقطع اليد كما حصل في السودان. هذه النخب الجديدة المنحطة تحاول التوجه في هذا الاتجاه، لكن المطالب العميقة للمجتمعات هي مطالب حديثة المساواة العدالة وغيرها، لكن النقطة المهمة الثانية بالسؤال، أنا أعتقد أن للغرب مسؤولية جوهرية عن المأزق الذي نعيشه لأنه استعمرنا ،،الخ... كل هذا أصبح من الماضي، في الثمانينات كان واضح أن مشروع التحديث في كل العالم الثالث وليس فقط في العالم العربي، أي ما سميناه في ذاك الوقت بحركات التحرر الوطني والبلدان المتحررة حديثا من الاستعمار لديها مشروع اعادة بناء سياسي واقتصادي وتصنيع. هذه هي الحداثة المادية . ولنسأل :ما معنى الحداثة إذا كنت اسمع بالعمل وأنا لا أعمل عن أي حداثة تتحدث، ما معنى العدالة إن كنت تقول لي أن هناك قانونا ودولة، لكن ابن المسؤول يدوس على رأسي بحذائه ولا أحد يعاقبه، هذه ليست حداثة، نحن نعيش في نظم لا تحترم الانسان وبالتالي هي تعادي الحداثة. ومسؤولية الغرب انه كان عليه ان لا يسمح بانهيار حركة التحرر الوطني لإعادة البناء الاقتصادي للشعوب النامية، وعلى هذا الاساس ، لا يسمح بانهيارالحركة الديمقراطية حتى وإن لم تكن ديمقراطية بالمعنى السياسي المباشر، بل بمعنى حركة نقل المجتمعات نحو الحداثة وهو أمر مرتبط بنجاح هذه المشاريع ونتذكر في سنة 1974 أثير نقاش انتقل إلى الامم المتحدة حول اسعار المواد الاولية والتبادل المتكافئ وعبر العالم الثالث عن مشروع إعادة النظر لانقاذ مشروع التنمية في البلدان النامية، الغرب رفض ان يقدم اي إعانة للنخب التحديثية الديمقراطية بالمعنى العميق التي تريد الخروج من القرون الوسطى، ويساعدها على التقدم وهو الذي قتل الفكر الليبرالي والفكر العلماني بالعالم العربي، لأنه تخلى كليا عن مشاريع التحديث، أما بالنسبة للعالم العربي فقد قام بأكثر من ذلك، فقد تخلى عن مشروع الحداثة وحطم كل مشروع محلي يخلق شروط تقدم أكثر وحداثي بمعنى مشروع التكتل العربي الذي كانت وراءه الحركة القومية العربية. فالقومية العربية ،حولها كلام عام وايديولوجي كثير، لكن المشروع كجوهر يعني التكثل العربي و سوق عربية مشتركة واسعة تسمح بتطور الصناعة والتكنولوجيا والعلوم.. الخ كسرها الغرب بحجة ان عبد الناصر كان هتلر الثاني وكان يهدد الغرب. اضافة الى موقف الغرب في مسألة فلسطين التي محورت كل صراع الامة العربية من المحيط إلى الخليج ، لأن شعب من 300 مليون نسمة لا يستطيع ان يقوم بأي فعل للتضامن مع شعب في تجاه 5 ملايين مدعمين ومدججين بالسلاح وبكل أنواع الاسلحة بما فيها الاسلحة النووية من الغرب. اساء الغرب لتجربة التحديث في العالم العربي اساءات متعددة ولا يزال مستمرا بنفس الاساءة عن طريق حرب العراق والسيطرة على الخليج باسم النفط والدفاع عن اسرائيل وتبني السياسات الاكثر تطرفا باسرائيل وآخر ما عمله الغرب التبني الكاذب لمشروع الديمقراطية، حتى هذا لم يسمحوا لنا أن نبقى مستقلين فيه ويبدو كما لو أنه مطلب محلي وجزء من مشروع النخبة الجديدة والمتجددة بالعالم العربي وجعلوا كما لو كان مشروعا خارجيا ومرتبطا بالمصالح الخارجية.

لكن هل يمكن القول أن مشروع التحديثي ليس أمامه أفق؟

عندما تشعر الشعوب بالامل، كما فعل الاتحاد الاروبي مع تركيا،ليس فقط بالوعد بالدخول في الاتحاد،بل باستثمار المليارات من الدولارات التي تخلق فرص العمل، وتطور الصناعة، وتعطي للانسان شعورا بأن الحداثة فيها ايجابيات وليست كلها قتل وضرب وسجن كما هو الحال بالبلدان العربية، عندما يتم ذلك يحدث التحول.حتى الاسلامين تحولوا من الداخل واصبحوا مقتنعين بالعمل مع الغرب الحديث وادركوا أن الحداثة منظومة دولية وليست قضية اختيار بمعنى انه إما أن افاوض حتى ادخل الحداثة أو اقبل بحداثة هامشية. فنحن لسنا مخيرين في الحداثة أو التراث لم يعد احد قادر على العودة إلى التراث مهما حصل وإنما سنبقى في اطار حداثة رثة فقيرة، ضعيفة بدون قيم ولا روح. . الغرب المعني هنا كنظام وكمنظومة سياسية وعامة، و ليس كمجتمعات ،لأن هذه الأخيرة يوجد بها تضامن مع القضايا العربية اكثر من العالم العربي، التظاهرات التي نظمت في العشرين سنة الأخيرة كانت لدعم القضايا العربية. كفلسطين ودعم الشعب العربي، وانتهاك حقوق الانسان من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وفضح الجرائم الامريكية بالعراق من قبل المجتمعات الغربية اكثر من المجتمعات العربية. المجتمعات العربية في اطار الحداثة التي سميتها الرثة، ليس لديها حتى القدرة على ان تعبر عن رأيها، عن الجرائم التي تحصل في البلدان العربية. الغرب مسؤول مسؤولية اساسية اضافة الى أنه دعم دعما مباشرا وإراديا وواعيا النظم الاستبدادية لفترة طويلة ولايزال يدعمها.

هل العلمانية شرط اساسي لكي تتحقق الحداثة الديمقراطية بالعالم العربي؟في الوقت الذي يقبل الاتراك الاسلاميين التغيير ويرفضه امثالهم في الحركات الأخرى..

نرجع اولا الى الاسلاميين في تركيا، ليس صحيحا ان الاتراك تغيروا ،و الحركات الإسلامية غير التركية لم تتغير. لا استطيع ان اقول ان العرب لا يتغيرون والاتراك تغيروا. العرب يتغيرون ان فتح لهم الافق. الاتراك فاوضوا والنظام العسكري الذي كان قبل التفاوض. لا أحد يعطي شيئا لأحد في السياسة.وقد شعرت الطبقة الحاكمة ايضا انها تملك أمةو دولة،وليس كما يحدث عندنا أي حكم المزاج الفردي، كما شعروا انه لا يمكن وقف الموجة الابكسر تركيا، فالحكام العرب مستعدون دائما لتكسير الدولة لأنهم لا يملكون مفهوم الدولة. وقداختار الاسلاميون التفاوض، وكان شرط دخولهم للحكم هو قبولهم بالقوانين العلمانية. طلب منهم احترام ان الدولة تتعامل مع المواطنين كأفراد مواطنين دون النظر الى ديانتهم او ايمانهم وعدم ايمانهم. اختار الاسلاميون عدم التدخل في ديانة الافراد باعتبار ان ذلك يكون بين الفرد وربه. وهذا ما جعلهم ينجحون ويصلون الى الحكم وهم ايضا سينجحون في الانتخابات القادمة. وقد قبلوا بالمفاوضات والتنازل لأن الاخرين ايضا قبلوا بالتنازل والمفاوضات لصالح المجتمع. اعتقد ان المشكل ببلداننا العربية هي انه ليس هناك مبدأ مفاوضات اطلاقا، لانه ليست هناك سياسة، والمفاوضات تعني السياسة ، تعني الاعتراف بالاخر وبوجوده. يقول انت قوة موجودة وانا اختلف معك في هذه النقطة، لنتفاوض حولها وإذا قبلت بها أنا مستعد للتعامل معك، وهذا ما حصل بتركيا فهل هناك نظام عربي يقبل التفاوض؟.

في الجزائر كان برنامج الإنقاذ ينص على أن جميع التشريعات يجب أن تستمد من القرآن والسنة، بمعنى أن هناك ارتباطا وطيدا بالدين ولا مجال نهائيا للفصل بين الدين والدولة. وهذا بطبيعة الحال، يعني لا حق في ممارسة السياسة بالنسبة للمواطن، لأن السياسة محددة كهدف وممارسة. وأيضا حركة الإخوان المسلمين في مصر؟.

الإخوان المسلمون في مصر وسوريا منذ الخمسينات يلعبون لعبة التعددية والديمقراطية، وكانوا نوابا بالبرلمان، وهم لم يخونوا اللعبة الديمقراطية. إذا أردنا قول الحقيقة، بعض الإخوان المسلمين في سوريا ومصر حملوا السلاح في الثمانينات، لأن الأمور كانت مسدودة كليا، وهذا ليس تبريرا هم أخطأوا ودفعوا الثمن، لكن الخط العام للإخوان المسلمين بالعالم العربي ليس خطا جهاديا، ولا تكفيريا، بل خطا سياسيا، كانوا قد بدأوا بتقاليد سياسية. اليوم الإخوان المسلمون بمصر وسوريا يلعبون لعبة تعددية، ولم يفعلوا مثل جبهة الإنقاذ التي كانت ثمرة عدم النضج ، وهي البلد الوحيد الذي ليست له تقاليد حركات الإخوان المسلمين، الإخوان المسلمون الجزائريون هم حماس حركة السلم الاجتماعي. هؤلاء هم الإخوان المسلمون، وفي النهاية هم تعاملوا مع النظام أكثر مما تعاملوا مع الحركات التي كانت تختلف معهم. الفيس حركة شعبوية من أعماق الثورة الجزائرية بمعنى أنها رد فعل أشخاص ملتحقين بالثورة الجزائرية ومؤمنين بها مثل عباسي المدني، شعروا بالخيانة من قبل النخبة البيروقراطية التي استخدمت كل موارد البلاد لخدمة مصالحها الشخصية، هناك نقمة حقيقية. طوفان ضد النظام القائم.

بصفتكم كمراقب للأوضاع بالعالم العربي بصفة عامة كيف ترون الأوضاع بالمغرب؟

أعتقد أن الشيء الاستثنائي بالمغرب إلى حد الآن، أنه نجح في تفادي الانفجار الذي عاشته معظم البلدان العربية. لا أعتقد أن الوضع مثالي ولكنه نجح لأنه أدخل مبدأ المفاوضات ،و اعترف بوجود الآخر، و بوجود المعارضة بما فيها الحركات الاسلامية.الآخرون يريدون القضاء على المعارضة الاسلامية والعلمانية حتى ينفردوا بالحكم، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة كارثة حقيقية كما هو الحال بسورية والعراق التي تغلق الباب كليا، مما يؤدي إلى انفجار الجمهور. أعتقد أنه لايزال هناك طعم للسياسةفي المغرب.هناك أيضا فكرة المصالحة التي تعبر عن أن عنصر السياسة موجود بالنظام، عنصر الأخذ والعطاء وعنصر المفاوضة مهما كان محدودا، وهذا ما يراهن عليه المغرب بالمقارنة مع الأنظمة الأخرى المغلقة تماما، ففي مصر مثلا لاتوجد هناك مفاوضات مع أحد، بما في ذلك التجمع التقدمي الوحدوي : ممنوع المظاهرات، ممنوع الاجتماع وفي سوريا نفس الوضع: المعتقلون المثقفون كلهم علمانيون ولايوجد منهم أحد اسلامي، فقد اعتقلوا لا لأنهم طالبوا بالديمقراطية بل لأنهم وقعوا بيانا مع اللبنانيين يطالب بعلاقات متوازنة بين سوريا ولبنان. كيف نريد لهذه المجتمعات أن تقبل بهذا الوضع إذ بدلنا السياسة بسلاح الادعان.

هل هناك أفق للوصول إلى الدولة الوطنية الديمقراطية؟.

نحن تجاوزنا الدولة الوطنية والدولة الديمقراطية بمعنى الدولة الوطنية الديمقراطية، أنا من الأشخاص الذين يعتقدون أن الأزمة بالعالم العربي أزمة عميقة ومختلفة من بلد إلى بلد، يعني يصعب توحيد كل البلدان، فمثلا في بلد مثل المغرب الأفق ليس مسدودا .شخصيا لا افضل الحديث عن دولة أكثر عدالة، أكثر احتراما للقانون، أكثر احساسا بمشاكل الناس.إن السياسة ليست مصالح خاصة ومناورة من أجل الحفاظ على المصالح الخاصة لفئة معينة سيطرت على مواقع رئيسية في الدولة، بل هي خدمة عمومية، وإذا أدخلناهذا المعنى نكون قد تقدمنا كثيرا .

اي سيناريوهات للعالم العربي مستقبلا؟

قد ندخل حربا أهلية ونصبح في وضع يشبه الصومال بعد عشر سنوات أو ربما قد نصبح مثل أفغانستان، نقتل بعضنا البعض. وهناك بلدان أخرى مثل الخليج لها مسار مختلف كليا. الخليج يعيش في ثراء مادي استثنائي وحماية أمريكية . واليوم تتنافس دول الخليج في بناء أكبر عدد من الأبراج التي ينبغي بناؤها في الأربع سنوات القادمة، وهم عالم ليست له علاقة مع عالمنا. عالم البلدان العربية الاخرى التي تبحث عن إيجاد فرص عمل للمواطنين،من جهة أخرى، أشعر أن بلدان المغرب العربي ليست فقط المغرب الأقصى لديها شروط تسمح لها بالتحول بشكل أفضل إذا كان هناك وسيط خارجي، أي قوة ضغط خارجية ليست عسكرية ولا سياسية، وإنما قوة ضغط معنوية تدفع النخب الحاكمة الى أن تفتح حوارا جديا مع المعارضات، وتعترف بالمعارضة وتقبل بها. بتونس أيضا الوضع مسدود ليس لأن المجتمع غير قابل وليس لأن فيها إسلاميين، وليس لأن البلد متخلف اقتصاديا، بل لأن النخبة الحاكمة لا تريد أن تشارك أحدا على الإطلاق، يريدون احتكار كل شيء، وهذا وضع خاص وواضح. بمصر نفس الوضع تقريبا، الحزب الحاكم والرئيس الحاكم يريدان ان يكرسا الحكم لابنه ولعائلته ولحزبه. هذه الانسدادات هي التحدي الرئيسي: كيف سننجح في كسر هذه الانسدادات لفتح أفق المفاوضات بين الاطراف الداخلية؟ لن تكون هناك ثورات، و ستكون هناك انفجارات دموية، أي سنضيع الوقت أكثر مما سنربح أي شيء آخر، التحدي أمام النخب في الحكم وأمام النخب المستقلة إذا استطاعت فرض فتح المفاوضات على النخب المستقرة في الحكم. في مقال سبق أن كتبته، دعوت إلى خلق مجلس للوساطة العالمية، للوساطة الدولية يتكون من شخصيات لها وزن معنوي كبير جدا مثل مانديلا وآخرين، أشخاص يتدخلون كوسطاء لاقناع النخب بأن هذا الطريق مسدود، و لابد من الضغط المعنوي اليوم من أجل فتح المفاوضات التي يمكن أن تؤدي الى بدء ديناميكية فتح النظم على المعارضات والشعب، إذ يجب فتح النظم على النخب المعارضة وشيئا فشيئا تفتح على الشعب.


الاتحاد الاشتراكي المغربية


13-6-2006

معارضة سورية أم سوريالية؟

معارضة سورية أم سوريالية؟

نادر قريط


لا أدّعي معرفة موسوعية بالشأن السوري، ولا بالخفايا، ولا أسماء قادة الفروع الأمنية والعسكرية، أو انتماءاتهم العائلية والقبلية والدينية، أو ما في ثنايا جيوبهم وعقولهم (كما يعرف الصحافي اللامع نزار نيّوف).. فمعلوماتي عامة، أو مجرد ذكريات تكاد تخبو تحت رماد الزمن والاغتراب ...وربما يكون القرف والملل المعرفي وتلاشي الأفكار، وصدأ آلة اللغة، قد ساهم أيضا في ابعاد سورية عن وعيي وفضولي
لكن انبثاق عصر الفضائيات، وارتفاع حرارة (المريض العربي) ودخوله أطوارا من الحمي والهذيان وارتفاع أسهم المحللين السياسيين، والخبراء (وقارئي الكف) وحاجة الميديا الجديدة للطرب السياسي والتصعلك الاعلامي والرقص علي أنغام (الفوضي البناءة) جعلني (أتقلب علي جمر النار ..كما تقول أم كلثوم)، وانزلق تدريجيا بين أصابع الاحداث، مدفوعا بحنين غامض للوقوف علي الأطلال وتذكّر الأحبة ... وهكذا بدأت أبحلق في الشريط الاخباري، وأقرأ ما يدبجه كتاب المقالات .. لأشعر بعدها أن فقري زاد فقرا وقفري قفرا، فالمعارضة السورية الداخلية ليست سوي أسماء يتواتر ذكرها في الأحاديث الصحيحة، والمعارضة الخليّوية ما هي الا مجموعة من الشخصيات المتنافرة، تتراوح بين (معارضة غرام وانتقام) كما هو حال السادة رفعت و خدام، أو حقوقية فكرية (كأنصار ربيع دمشق) أو معارضة اخوانية أرثوذوكسية (مراقبها العام لايراقب أحدا) أو أفراد خصيان (يتباهون بعظم بيضات أمريكا) في حين تتلاشي صورة سورية وتضيع في أغلبية صامتة، أنهكها الكدح والحيلة أمام لقمة العيش، واحتساء كؤوس البطالة في المقاهي والحديث عن فواجع العراق، وتقارير ميليس وبرايمرز، وأفكار بالهجرة (لمن استطاع اليها سبيلا)، وأحلام يقظة بربح اليانصيب. أما الاعلام المرئي السوري فيزيد من عبثية الصورة، ونشازها، فكلما أتوقف عند الفضائية السورية، تخرج (لسوء حظي) فرقة الدراويش (الغلابة)، لتلفّ كمغزل الصوف، أمام وفود السياحة وزوّار الفرنجة (كي تدوّخهم) وتضطرهم لكيل كلمات الثناء والاشادة والاطراء والمديح لهذا الشعب وقيادته وكرمه وحسن (رقصه) ولذيذ تبولته وكبّته...وعادة مايعقب ذلك كلمات لبعض المهاجرين العجائز (العائدين توا)، والذين طفشوا من برودة الغربة آملين بجنازة حميمية وقبر دافئ بين أهلهم وذويهم !! أما البرامج الحوارية ومدارات الثقافة، فهي تثير غضبي ورعونتي أكثر من أي شيء آخر، خصوصا عندما يجمع الضيوف (بقلب وصوت واحد) علي أن سورية هي أم الحضارة ومرضعتها، وأن أوغاريت مهد الأبجدية ... لأني أتذكر أهلي في حوّران، الذين تشبثوا بأميتهم وأنهوا نصف القرن العشرين (علي الأقل) وهم يسكنون خرائب رومانية، ويقتاتون علي ما تهبه الأرض من حشائش (خبيزة وهندبة وعكوب) وحبوب، (تنبت برغبة السماء).. وكأنهم لم يضيفوا الي العصر البرونزي الا (طناجر النحاس) والبؤس وبعض المواويل والعتابة !! من هنا أجد دعابة شكري القوتلي، أثناء توقيع ميثاق الوحدة عام 1958، وقوله لعبدالناصر ما مفاده (استودعك شعبا، ثلاثة أرباعه من الزعماء، وربعه من الأنبياء..) مقولة لاتملك من الطرافة الا لفظها، فقد كان حريا برجل كالقوتلي: أن يستودعه شعبا، ثلاثة أرباعه من الأميين، وربعه من البدو الرحّل!!
واذا عدت الي صدد الموضوع (بعيدا عن الشطط) فان أهم مايسترعي الانتباه في الحالة السورية (والعربية عموما) هو غياب مشروع، يفتح الآفاق ويغرس بذرة الأمل في النفوس، فالجدل الدائر حاليا، لا يؤتي ثمرا (ولا بطيخا) لأنه نقاش يدور في حلقة عبثية، وشيطانية .. فما هي الاضافة المعرفية، اذا زأر أحدنا بأعلي صوته وكال الشتائم للنظام ونعته بالاستبداد والفرعنة والشمولية والفساد ......أو قال في المعارضة مالم يقله مالك في الخمر أو عكس ذلك..ألا تعتقدون أننا نخطئ اذا اعتبرنا النظام السياسي (هبط من الفضاء الخارجي، أو صنع في دهاليز المخابرات الدولية) أليس من التبسيط والسذاجة، أن نحلل ظواهر الفساد والاستبداد والاستئثار بالسلطة والثروة والبطولة والخيانة والعنتريات والهزائم وقانون الطوارئ والأحزاب (وكأنها مراسيم جمهورية محضة، مهرها الحاكم بتوقيعه).. دون العودة الي مركبات التاريخ وعلوم الاجتماع البشري وثقافات الأمم. ومقدما أقول للاخوة الذين يودون الهرب من (سماجة كاتب السطور)! ان السلطة الحاكمة والمعارضة والعرب والكرد، هم ثمرة لصيرورة تاريخية وبني اجتماعية ومعرفية...انتجت سورية الحالية ...التي تعبر عن انتكاسة مشروع الحداثة الذي يبدو وكأنه ولد لقيطا علي يد قابلة (الانتداب والحماية الفرنسية)، ثم هدر دمه علي يد القبائل والثقافة السائدة ..ملخص القضية، أن ما سمي مشروع النهضة والتنوير، كان مهيض الجناح، سرعان ما ترنح وسقط بالضربة القاضية، أمام قوي تراث عتية (وهي منظومة أبوية، قبلية ترتكز علي حق الدم والغلبة والعصبية الدينية والمذهبية) وتتنافي أساسا مع مفهوم الدولة الحديثة، (المرادفة لعقد اجتماعي بين أفراد وقوي سياسية اجتماعية واقتصادية، تنصاع لدستور مهرته الأجيال بعرقها وكفاحها) لقد شاءت الأقدار (والقوي الدولية التي مزقت السلطنة العثمانية) أن نولد في ديمغرافيا هشة (مثلها الغاء وحدة سورية الطبيعية، وانشاء الدولة اليهودية، واهتزاز السكينة القروسطية) وأن نحمل هوية قلقة !! أشار لها أحد السوسيولوجيين بنباهة، عندما لاحظ أن لفظ (سوري) يمثل هوية خادعة ومزيفة ولا يتماثل مع نظيره (تونسي أو مصري أو مغربي)، لكونه تعبيرا يطأطئ رأسه وينحني أمام لفظ (عربي)، ولا ينضبط بل يتمرد علي لفظ (مسلم) وذلك بسبب الفسيفساء الدينية والمذهبية ..ومن المفيد أن نتذكر أن الديموغرافيا السورية قد لعبت دورا حاسما في صياغة الأحداث اللاحقة (حسب احصاء اجرته الدولة العثمانية عام 1908 تحت اشراف القناصل الأوروبيين بلغ تعداد سورية الطبيعية 3.5 مليون، نصفهم من السنّة ..والنصف الآخر من مذاهب وأديان أخري أهمها موارنة، أرثوذكس، كاثوليك، أرمن، موسوية، ومذاهب اسلامية كالدروز والعلويين والاسماعيلية والشيعة الاثني عشرية ) ولاشك أن هذه الفسيفساء اللا سنيّة (خصوصا المسيحية) كانت السبّاقة في استقبال الحداثة (عبر انتشار مدارس اليسوعيين والانجيليين والطباعة وحركة الترجمة وتأسيس الكلية الانجيلية السورية التي أصبحت فيما بعد الجامعة الأمريكية في بيروت ...) ولتصبح ابتداء من النصف الثاني للقرن19 مهدا وحاملا ومعقلا لحركة النهضة والقومية العربية، ونقطة للانقضاض علي الجامعة الاسلامية للسلطان عبد الحميد . ثم مالبث أن تحوّل المشروع القومي العربي برمته، الي يافطة لامعة وكبيرة تقبع خلفها كل الأقنعة، والثقافات المقفلة بمفتاح التراث ..صحيح أن العروبة كانت (ضامنا ) لمشروع وطني واعد، لكنها بنفس الوقت عكست هشاشة بنيوية مستمرة، لأن تلك الفسيفساء (اللا سنيّة)، التي بدأت تتقدم (مستثمرة بداية روح العلمنة الفرنسية التي وفرها الانتداب، وسبقها في التعليم الحداثي) وتشغل فضاءات الادارة العثمانية الشاغرة، الا أنها كانت تمارس في آن معا ثقافتها التقوية والقبليّة المغلقة (ناهيك أنها تقوم أساسا علي ادعاء الأصالة والنقاء والتفوق) أمام أغلبية سنيّة تقودها ارستقراطية دينية مدينية واقطاعية، تعوّدت الهيمنة علي المحيط المترامي، والتعامل معه بنرجسية واحتقار (يعبر عنها الموروث الشعبي المكبوت في اصطلاحاته الاحتقارية) ومنها نعت الحوراني بالهمجية والعلوي بالهرطقة والدرزي بالخيانة والشامي بالجبن والنذالة .. أما غضب الأم علي ابنتها، فتعبر عنه بدعوتها عليها أن تتزوج متوالي (شيعي). وقد لعبت اللغة والثقافة العربية التقليدية (كآلية ضابطة للجميع، ووعاء فكري مشترك) دورا في تمكين التورية، والتمويه، وتكريس المسكوت عنه، والاكتفاء بالخطاب الشعائري والشعاراتي والشعري، فهي من حيث الجوهر ثقافة ترتكز علي الخطابة والمجاملة والمقدمات والديباجات ونبذ الطبيعي وتعليم كل ماهو (غير طبيعي)! لذا فان فضح المسكوت عنه وتحليل البني المعرفية لثقافتنا الأبوية المزيفة والمزوّقة، مقدمة جدية لفهم آليات الصراع الحاصل في مجتمعنا .. وضرورة حيوية لفتح الآفاق أمام مجتمع متعافٍ من أمراض التاريخ .. ولا يسعني في النهاية الا تذكر مقولة ميكافيلي لأميره: اذا أحسست أن الثورة قادمة، فبادر الي اشعالها.
كاتب من سورية يقيم في فيينا

أحزاب المعارضة السورية وسياسة التطنيش

أحزاب المعارضة السورية وسياسة التطنيش

عادل محفوض

إن حرية الصحافة من القضايا الأساسية التي تميز النظم الديموقراطية عن النظم الشمولية الاستبدادية.
وبما أن أحزاب المعارضة السورية بمعظم أطيافها تتبنى الديموقراطية وتوابعها فعليها احترام ما تتبناه وتطرحه كبديل، وليس بعيب انها لا تملك الخبرة ولكن العيب أن لا تتدرب وتتعلم وخاصة بموضوع العمل الصحفي.
لقد استفادت تلك الأحزاب من ثورة المعلومات وانتشرت مواقع الانترنيت التي تمثل صحافة المعارضة السورية والمعبرة عن أرائها وتطرح عليها ما تريد وبغض النظر عن حجب تلك المواقع من قبل السلطة، إنما من يريد الوصول إلى تلك المواقع لا تنقصه الحيلة والوسيلة.
لقد انتقلت تلك الأحزاب من مرحلة العمل السري بسبب قمع السلطة والتي يعتمد في مرحلته السابقة على توزيع جريدة الحزب والمنشور باليد إلى الحالة الراهنة من علنية خط الحزب وبياناته وحملاته التضامنية.
وبما إن تلك الأحزاب مارست العمل السري ومازالت تمارسه فقد شاب عملها الكثير من الأخطاء والعثرات وبسبب الخوف الأمني لم يكن هناك مجال للمحاسبة ولكن الأهم من ذلك عدم وجود وسيلة نشر تفسح المجال لذلك.
وبسبب الاختلاف بوجهات النظر والاعتراض على ممارسات بعض القياديين في تلك الأحزاب وكذلك على تلقي تبرعات ومساعدات مالية والية صرفها فقد فصل وانسحب الكثير من أعضاء تلك الأحزاب، وبقي لديهم حرقة في القلب على عمر أمضوه في تلك الأحزاب وربما بعض الوثائق.
وكان الاختلاف بين تلك الأحزاب يطرح بشكل شفهي واتهامي تتبادله أعضاء تلك الأحزاب بتعصب قبلي لا يمت للعمل السياسي المدني بشيء.
وعلى مواقع الانترنيت نشر الغسيل وبنفس عقلية العمل السري تم الرد والتجاهل والاعتراض على نشر الغسيل بحجج كثيرة وغير مقنعة الهدف الوحيد منها التستر على ما جرى، وبخبس من بعض تلك القيادات الحزبية تم تخويف أعضاء تلك الأحزاب من الشفافية وطرح أخطاء الماضي والحاضر وكان بعض من حججهم ما يلي
1- الوقت غير مناسب
2- الوضع الأمني لا يسمح بنشر الأسماء
3- نشر الخلافات يسيء إلى نضال الحزب في المرحلة الماضية
4- لا يجوز تضييع سنوات السجن التي قضاها الرفاق في السجن

5- من يحاول فتح ملفات الماضي يحر فنا عن عملنا الأساسي حاليا
6- هذا شخص لا يستحق أن يرد عليه احد لماذا لم يتكلم في الماضي
7- هذا شخص مجنون ما حدا ببرد عليه
8- ماضينا يشهد لنا ولسنا مضطرين للرد على احد
9- كان يبحث عن منصب
10- هذا شخص عميل للأمن
11- هذا شخص سمعته الاجتماعية سيئة
وأنا هنا لااتكلم عن حزب محدد إنما أتكلم عن مجمل أحزاب المعارضة على الساحة السورية.
ولنأخذ أمثلة على على ضحالة التجربة الصحفية العلنية لدى بعض القيادات وخاصة المكلفة بالرد الإعلامي والعمل الميداني بين أعضاء الأحزاب وبقية المواطنين.
1- الخلط مابين الرأي والاتهام
2- اعتماد قاعدة التخميين بدلا من قاعدة التحليل
3- في معظم الأحيان غياب الوثيقة في التعامل
4- غياب اللجوء للقانون المدني
5- عدم التفريق بين الرأي الشخصي ورأي الحزب
6- خرق النظام الداخلي من قبل قيادات الأحزاب
7- تفسير القضايا المختلف عليها من قبل قيادات الأحزاب دون الرجوع إلى المؤسسات الحزبية
8- عدم السماح للرأي الأخر بالتعبير عن وجهة نظره المغايرة في أكثر الأحيان
9- عدم الاعتماد على مختصين في مجال الإعلام والصحافة
وبما إنني غير مختص في المجال الصحفي والإعلامي فإنني اعتذر من أصحاب الاختصاص، واعتبر ما كتبته اليوم محاولة متواضعة لكي يتطرق أصحاب الاختصاص والمحاولة في تصويب ما يجري

هل تضيع الحرية مجدداً ؟

هل تضيع الحرية مجدداً ؟

مهند عبد الرحمن

هل يضيع الوطن مجدداً ؟!...
ما أصعب الأجابة عل هذا السؤال الذي يحتاج إلى دراسات تحليلية كثيرة ، و يحتاج إلى الجرأة و الشجاعة و الجدية في مناقشة هذا الموضوع، فمنذ حوالي أربعة عقود مضت كانت تعيش سوريا فترة إزدهار لا توصف من الناحية الثقافية و الأجتماعية و الأقتصادية، وكل القوة والفئات التي أدركت فترة الخمسينيات إعتبرتها الفترة الذهبية لسوريا، وكانت بعض الدول وحتى الكبرى منها تحسد سوريا على الديقراطية المطبقة و على البرلمان الذي يضم كل شرائح و فئات الشعب، والذي يعبر عن مصالح الوطن الغالي، و هذه السلطة التشريعية ( البرلمان ) كانت سلطتها أقوى من سلطة رئيس الجمهورية، لكن ما إن إستلم حزب البعث مقاليد و أمور الحكم في البلد حتى أخذ المارقون و لصوص السياسة التغلغل به أمثال حافظ الأسد و مصطفى طلاس و زهير مشارقة و غيرهم كثر و بعد فترة من حكم البعث في سوريا أنقلب هؤلاء على رفاقهم الوطنيين و زجوا بمعظمهم بالسجون وهذا تم حينما طالبت القيادة القومية لحزب البعث العربي الأشتراكي بمحاسبة الذين أساؤوا للوطن خلال هزيمة 1967م و على رأسهم حاظ الأسد و مصطفى طلاس، فقاموا بالحركة الإنقلابية و التي أسموها بالحركة التصحيحية المجيدة عام 1970م، وغيروا دستور البلاد بما يخدم مصالحهم الشخصية واستبدادهم الأبدي، وفعلا زادوا من بؤس وشقاء الفلاح والعامل وحتى صغار الكسبة، و أزالوا بقوة القمع و الإضطهاد الطبقة الوسطى من الشارع السوري التي كانت محرك المجتمع من خلال تأثيرها على السياسة العامة للبلاد، و بذلك بتروا كل شيء يعوق و يحدّ من استغلالهم و استبدادهم للبلد أرضاً وشعباً .
وقمعوا الحريات العامة و ساهموا في إفساد القضاء و جرفوا من أمامهم كل التيارات السياسية الفاعلة و حتى الإتحادات والنقابات المهنية، و هذا ما حصل عام 1980م، وضاع الوطن فترة ثلاثين عاما توالت على المواطن السوري المقهور والمظلوم و كأنها عدة قرون، و ما إن توفي حافظ الأسد حتى عاد الأمل بعودة الحق لأصحابه و عودة الوطن إلى مساره الصحيح، و سرعان ما تبين أن هذا الأمل وهم كبير بمجرد ما حصل الإنقلاب الأبيض الذي قام به بشار الأسد وتداول السلطة في عام 2000م، وعلى الرغم من تغير المناخات الدولية و أعترافه أمام مليارات من الناس عبر الأعلام الأميركي بالمعارضة الوطنية والمتمثلة بالداخل، وحددها بالأسم ربيع دمشق ( منتدى جمال الدين الأتاسي ) وبعودة الأمل المزيف والمصنّع من قبل السلطة الديكتاتورية التي روّجت له، إلا أنه سرعان ما كشّر الأسد عن أنيابه و أغلق المنتديات الثقافية، و أمر بإعتقال مؤسسيها و مرتاديها، وقمع الحريات و خصوصاً حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور السوري، وقيدوا حرية الصحافة من خلال إصدار القانون رقم 50 لعام 2001م ، الذي كان أسواء قانون إعلام عرفته البشرية ومرّ على سوريا، فحتى على زمن استبداد الدولة العثمانية لم يوجد مثل هذا القانون الذي يستبعد الصحافة من مسارها، و يجعلها سخافة العصر ، وما إن دخلت سوريا بأزمة حادة خصوصاً بعد إغتيال الزعيم الوطني رفيق الحريري ،بدأ النظام يعيد حساباته وهذا ما تجلى من خلال طرح نظري لعدة مشاريع و قوانين، منها قانون الإعلام العصري وقانون الأحزاب الجديد، وتحويل الأقتصاد الأشتراكي إلى اقتصاد ليبرالي حر، و على ما يبدو أن فن المساومة يبرع به النظام و حاول التخلص من الأزمة الراهنة .
ومع وجود المعارضة الشريفة و النزيهة التي رفضت الإستفادة من الظرف الدولي و من المناخ المتاح والمناسب للإنقضاض على السلطة الهزيلة، و رفضوا الأستقواء بالخارج على أبن هذا الوطن المتمثل بكل المستفيدين من النظام الحالي، و لكن هذا لم يوقف السلطة لتفكر و تعدل عن كثيرا من الأمور الخاطئة وتعقد مؤتمر للمصالحة الوطنية ترضي به جميع الأطراف و تعيد المياه لمجاريها، بل العكس إزدادت لؤماً وشراسة معتبرة أنّ المعارضة هشة وهزيلة ،و لاتعبر إلا عن أشخاص معدودين، فقامت بحملة إعتقالات شعواء غير آبهة إلى أين تسير بالوطن، ولكن كما يقال إنّ المعارضة ردت على الأفعال القمعيةللنظام بعدة عمليات و من ضمنها عملية الجمارك الأخيرة، لتقرؤه رسالة مفادها النار بالنار، وما يتخوف منه الشارع السوري عودة الأزمة التي أفتعلها النظام في الثمانينات مع الأخوان المسلمين( المثقفين ) وعودة الإضطرابات للبلد، وفتح أفرع أمن جديدة غير الأفرع السبعة عشر، و بالتالي دمار الوطن وخرابه، وما أشبه العائلة الحاكمة في سوريا بنيرون محرق روما كي يستمتع بمنظر النار والدمار وهو يعزف، فهل سيضيع الوطن مرة أخرى، وهل سيضيع أخر أمل بعودة الوطن لأهله ؟!!..
فالوطن في ذروة الأزمة السياسية الحالية و الجميع ينتظر الوقت، عسى أن يتخلص من الإستبداد الذي طال أمده وحانت نهايته بالسيف لا بالقلم وبالدبابة الوطنية لا الحوا

الحوار المتمدن

'أبو القعقاع'،'جند الشام'، القبيسيات' و...: موزاييك إسلامـيي سوريـا

'أبو القعقاع'،'جند الشام'، القبيسيات' و...: موزاييك إسلامـيي سوريـا

منذ أيام اهتم بعض وسائل الإعلام برجل دين شاب و"داعية" ترك أثرا على مدار الأعوام الثلاثة المنصرمة من الاحتلال الاميركي للعراق على كثير من الشباب السوريين الذين يؤمنون بـ"الجهاد". هذا الاهتمام والتغطية الصحافية حصلا بعد العملية الأخيرة التي قام بها "متطرفون" وسط دمشق وعلى مقربة من مبنى الإذاعة العامة والتلفزيون السوري، حين ضبطت أجهزة الأمن معهم بعض الكاسيتات والأقراص المدمجة التي تحوي على خطب لرجل دين شاب يلقب بـ"أبو القعقاع". غير أن كثيرا من هذه التغطية لم تلامس الحقيقة، حقيقة الرجل.

قبل أحداث العراق، لم يكن محمود قول آغاسي (أبو القعقاع لاحقا)، وهو شاب كردي ولد عام 1973 في قرية الفوز شمال مدينة حلب وينتمي الى عشيرة الديدان، معروفا من الشارع الاسلامي في الشمال السوري، لكن الاجتياح الاميركي للعراق والصدمة التي خلفها عند الكثير من الشباب جعلا منه "نجما" خلال فترة قصيرة، حيث بات الآلاف منهم يقصدون جامع العلاء بن الحضرمي في حي الصاخور في حلب ليستمعوا الى خطبه النارية المؤثرة.

وحسب عارفيه، فهو متخرج من كلية الشريعة بجامعة دمشق و"يملك مهارات كبيرة في الخطابة والجدل والحوار وفن الاقناع واللغة العربية"، ويبدو أن هذه المواصفات إضافة الى وسامته، أهلته ليكون ملهما لـ"الجهاديين" الذين وضعوا الوصول الى العراق ومقارعة قوات الاحتلال نصب أعينهم. كان كل ذلك يجري في وضح النهار وتحت الشمس، ولا يثير غضاضة أحد . وإذا ما أضفنا أن "أبو القعقاع" غالبا ما كان يؤكد أنه ليس ضد "الدولة" وانما "أنا والدولة ضد الخطأ"، يكون المشهد واضحا لناحية البيئة "الآمنة" التي سيعمل فيها.

لا بل أنه راح يحض على التعاون مع الجهات الحكومية ويدعو الى "توحيد الجهازين الأمني والايماني". وكان يفسر ذلك على النحو الآتي: "كل انسان مؤمن، عليه أن يرى الأمن فعلاً ايجابياً طالما ان هدف دين المؤمن الحض على رفع الأذى عن الانسان، والأمن يفعل ذلك."

في كتيّب من عشر صفحات فقط، وهو من النوع الذي يسهل حمله في الجيب، تحت عنوان "حقوق ولي الأمر - الحاكم" يهدي (أبو القعقاع) كتيبه هذا الى " ابناء أمتي حكاما ومحكومين، مسؤولين ورعايا، حملة رتب وأصحاب لحى، دعاة دين وفرسان سياسة، عناصر أمن وجند إيمان...".

في هذا الكتيب ثمة إصرار منه يتضح في العنوان ومن خلال التفاصيل على أن الرجل على علاقة طيبة مع "الأمن". وهذا جديد ومختلف بالنسبة الى "الجهاديين" الذين غالبا ما يقفون على مسافة من "الحاكم"، لا بل هم يكفّرون الجميع .

وفي الصفحة الثانية التي أتت بعنوان "بيعتنا" يقول: "نبايع الله على أن لا ننازع الحكم أهله، والنصح لولاة الأمور والسعي الى وحدة صفوف الأمة حكاما ومحكومين على اساس العلاقة التعاونية التناسقية في مواجهة كل صور الفتن الداخلية والمؤامرات الخارجية ضد بلادنا، ونكون لوطننا أدوات بناء لا هدم، وطاقات تعمير لا تخريب، حتى وإن ظلمنا وأصابنا الأذى". الصورة تتضح أكثر في مكان آخر حين يقول "ان حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاع الشرع والأمن".

هذا الداعية "الجهادي" لايخفي ابدا أنه على علاقة طيبة بأولي الأمر، لا بل إنه يحض على "السمع والطاعة" ويشيد بدور "الأمن"... هذا ما يقوله هو عن نفسه. لكن رغم ذلك لم يستطع "أبو القعقاع" أن يضبط كل جمهوره من "الجهاديين"، ثمة مجموعة صغيرة خرجت عن سيطرته وأفلتت من إشرافه، منهم من توجه بطريقته الى العراق، ومنهم من تورط في أعمال "ارهابية" داخل سوريا. ففي يوم 4/12/2005 جرت اشتباكات في مدينة حلب شمال سوريا "بين عناصر أمنية من قوات مكافحة الإرهاب" و"مجموعة تكفيرية" أسفرت عن جرح اثنين من العناصر الأمنية واثنين من افراد المجموعة وأحد المارة في حي "النقارين" بالمدينة. بعدها توقف "ابو القعقاع" عن القاء الخطب في مسجده وتوارى عن الأنظار، وثمة من شاهده حليق الذقن في تلك الفترة. يبدو أنه لم يستطع ضبط "جهادييه" جيدا.

في دمشق ثمة من رآه، ولاحظ عليه مظاهر الثراء، سيارة من نوع "مرسيديس- شبح" وشقة مستأجرة بحي راق ومريدين له يعملون مرافقين، يقبلون يديه اينما ذهب وحل، ويفتحون له أبواب السيارة عندما يلج اليها أو يخرج منها. قصة الثراء هذه تبدو عادية اذا ما تذكرنا قوة شخصيته وأثره على جمهوره من "المؤمنين" و"الجهاديين"، ففي مثل هذه الحالات يتدفق الجميع، التاجر، والصناعي، ليحوز على الرضى والبركات، وليقدم "الدعم" والأموال ليضعها تحت تصرف "ابو القعقاع" الذي يملك القدرة على تحريك الآلاف. "ابو القعقاع" الذي بدوره سيقبل المساعدات المالية والعينية ليوزعها في ما بعد بطريقته "على الأسر المستورة والفقيرة ومن يحتاج"!؟

ولم تنتهِ القصة هنا، ثمة من روى على لسان أحد الأمناء العامين للأحزاب ذات الشعارات الكبيرة لكن القليلة العدد والمعدومة التأثير، أنه يستطيع تأمين نجاح حزبه والحصول على خمسمئة ألف صوت في الانتخابات البرلمانية لأنه على علاقة طيبة مع "أبو القعقاع" الذي وصلت "كاسيتاته وسيدياته" الى كل قرية ومدينة في سوريا.

لكن "أبو القعقاع" اليوم حليق الذقن... بدون مسجد وبدون خطابة طالما أن "الجهاد" في العراق أصبح مستحيلا بعدما عملت السلطات الأمنية على رفع الكثير من السواتر الترابية وزرعت المئات من مراكز المراقبة ونحو سبعة آلاف من حرس الحدود "الهجانة".





جند الشام

يبدو أن هؤلاء حالة مختلفة تماما، صحيح أن بيانا لم يصدر عنهم يؤكد نشاطاتهم في سوريا، أو يرد على العمليات الأمنية الاستباقية التي كان من نتائجها قتل العشرات منهم واعتقال المئات، لكن يجب أن نعترف أنهم موجودون. ربما ليس جميع السلفيين في سوريا يحملون هذا المسمى التنظيمي، لكنهم أصبحوا كثراً وفي غالبية المحافظات السورية.

البعض من المراقبين يشك في مدى صحة البيانات الرسمية عن العمليات الأمنية التي نفذت ضد هؤلاء السلفيين، لكن هذه العمليات، وبالأخص المعلن منها رسميا، فاقت ومنذ أكثر من عام، العشر، وراح ضحيتها الكثير ومن الطرفين، وعليه من غير الجائز تصوير السلطات الأمنية السورية وكأنها تملك "مصنعا" لا ينضب من "الضحايا" مختصاً بفبركة مثل هذه العمليات، إن ذلك يحتاج الى المئات من الإسلاميين ورجال الأمن لقتلهم حتى تنجح "الفبركة". إن هذا غير منطقي.

ثم لماذا يتم تصديق السلطات الأمنية في السعودية التي خاضت الكثير من المواجهات المسلحة ضد "تكفيريين" ولا نصدق السلطات السورية؟ كذلك كيف نقبل السياق الاقليمي، العراقي، المصري، الأردني، الذي تعرض ومازال لمثل هذه الحوادث، ثم نشكك في ما يجري في سوريا التي تكتسحها مثل غيرها من بلدان المنطقة موجة من الفكر الاسلامي "الجهادي" التكفيري". يبدو أن وراء هذا التشكيك موقفا سياسيا من النظام في دمشق، كذلك تلعب "الماكينة" الاعلامية الرسمية المتخلفة والقائمون عليها وطرق تعاملهم مع مثل هذه الأحداث، دورا في تكريس مثل هذه الشكوك.

إن "جند الشام" أو غيرهم، سواء نشطوا تحت هذا الاسم أم غيره، باتوا متواجدين بكثرة. وبخلاف العقود السابقة حيث عرفت سوريا إسلاما معتدلا ومتسامحا، اليوم يقوم الكثير من هؤلاء بالترويج للاتجاه السلفي في عموم المدن والأرياف السورية، وخاصة ريف دمشق وحلب وحماه وادلب وبعض المناطق الشرقية، وهذه هي الخطوة الأولى على طريق التطرف.

ولأن أصحاب هذه الاتجاهات معروف عنهم صداميتهم وجهرهم بعدائهم لـ"الدولة" كما أنهم ينتقدون "التساهل" الرسمي إزاء المرأة "المتحررة"، كذلك هم خلال نقاشات عامة غالبا ما يكفرون أبناء المذاهب والأديان الأخرى، كما أنهم يصرّون دائما على مراعاة السلف في المظهر حيث اللحية الطويلة والشوارب المحفوفة والثوب القصير والنظرات الصارمة، ذلك كله يسهل كثيرا على رجال الأمن السوريين المعروفين أصلا بخبرتهم، اختراقهم واصطيادهم.

ومن صفات أصحاب الاتجاه السلفي في سوريا أن غالبيتهم من الشباب، ومنهم من له سوابق جنائية، كما انهم يفتقدون لرموز اجتماعية تحظى باحترام شرائح متعددة، وهم بذلك على عكس "الأخوان المسلمين" سابقا، حيث أن شخصية مثل عصام العطار كانت تحظى بقبول مجتمعي. والغاية من إيراد ذلك، تفيد لناحية أن السلفيين غير محميين ولا يحظون بغطاء اجتماعي، وهذا يسهّل على السلطات الأمنية اختراقهم وكشفهم.





إسلام الناس والنخب

والتجار والسلطة

أثار قرار اتخذه أخيرا وزير الأوقاف السوري محمد زياد الأيوبي يقضي بضرورة إكمال الطلاب مرحلة التعليم الأساسي حتى يتسنى لهم من بعدها دخول المدارس الشرعية، حفيظة بعض رجال الدين الذين رأوا فيه "محاولة لتجفيف منابع التعليم الديني".

وكان الطلاب في وقت سابق يستطيعون دخول المدرسة الشرعية بعد مرحلة التعليم الابتدائي مباشرة، في وقت لا تتجاوز اعمارهم الثانية عشرة. لكنهم اليوم يحتاجون ثلاثة أعوام إضافية. رجال الدين هؤلاء حملوا معهم "احتجاجهم" هذا الى رئيس الجمهورية بشار الأسد، حين التقى بفاعليات دينية منذ أيام.

هذا يشير الى مناخات اجتماعية جديدة ومختلفة لم تكن موجودة في سوريا قبل عقود.

واليوم يحرص المسؤولون العلمانيون في حزب البعث والدولة وعلى رأسهم الرئيس الأسد على حضور جميع المناسبات الدينية، وآخرها الاحتفالات بمناسبة عيد المولد النبوي حيث شارك رئيس الجمهورية والى جانبه العشرات من المسؤولين في حزب البعث والقادة الأمنيين والوزراء، رجال الدين احتفالهم بهذه المناسبة.

وإذا كانت سوريا الخمسينات والستينات من القرن الماضي تعج بالكثير من الأحزاب اليسارية والقومية العلمانية التي وضعت نفسها على مسافة من الدين لتحظى بقبول الجمهور، فإن عموم بقايا هذه الأحزاب وقادتها لا يوفرون فرصة اليوم للتعبير عن احترامهم لـ"الاسلام"، حتى أن وثيقة "إعلان دمشق" للتغيير الديموقراطي، وغالبية موقعيها هم من العلمانيين والقوميين والناصريين توقفوا عند الإسلام كمرجعية حضارية وثقافية لا يمكن تجاوزها أو القفز من فوقها! وعلى العموم لم يبقَ شيء يذكر من سوريا الخمسينات والستينات. فالأحزاب السياسية الموالية والمعارضة بعيدة كثيرا عن نبض الشارع، فاليوم الجماعات الدينية وبعض المرجعيات من رجال الدين هي من تحوز على اهتمام الجمهور.

في هذا الصدد يعتبر الرفاعيون من أتباع المذهب السني أكبر الجماعات تواجدا على خريطة الجماعات الدينية في دمشق وحولها، ثمة من يلقبهم بجماعة "زيد" نسبة الى الجامع في حي الميدان حيث الإمام سارية الرفاعي سليل الأسرة الدينية المعروفة يلتقي مع أتباعه. وتتميز جماعة "زيد" بحضورها الكبير، وما أكسبهم قوة أن عشرات الآلاف من الداعيات "القبيسيات" من النساء اصبحن على مسافة قريبة منهم.

ويبدو أن حظوة "جماعة زيد" في الوسط الاقتصادي والتجاري لعبت دورا في ذلك، فلطالما ركزت "القبيسيات" من أتباع الداعية منيرة القبيسية تلميذة مفتي سوريا السابق الراحل احمد كفتارو، على العمل في صفوف النساء الدمشقيات من النخبة، زوجات التجار الكبار ورجال الاعمال والمسؤولين أيضا وبناتهم. ورغم أن "جماعة زيد" لا يملكون امكانات مالية كبيرة مثل "جماعة كفتارو" لكن يبدو أن قوتهم وحضورهم مستمدين من علاقاتهم الواسعة والطيبة التي يتمتعون بها في الوسط التجاري والاقتصادي. فالشيخ سارية الرفاعي يستطيع أن يؤثر كثيرا في هذا الوسط ويحصل على ما يريد. حتى أن بعضاً من كبار الفنانين السوريين الشهيرين يحسبون لهم ألف حساب، خشية من نقد أو تشهير.

صحيح أنه من الصعوبة قياس مدى تعدادهم البشري، لكن الأهم من ذلك هو حضورهم النوعي، فهم موجودون في الوسط الاقتصادي والتجاري والاجتماعي، وعلى المستوى الرسمي أيضا، لكن ليس على مستوى قيادات المؤسسات الامنية. ربما يلحظ تأثيرهم على مستوى مدير عام، أو محافظ، أو قائد شرطة وما دون ذلك.

أما الجماعة الثانية، فتسمى "جماعة كفتارو"، نسبة الى المفتي الراحل أحمد كفتارو، الذي كان يتمتع بشخصية مؤثرة وشبكة اتصالات ضخمة داخل سوريا وخارجها، كما أنه يتمتع بوضع مالي مهم، ويحظى بقبول رسمي من السلطة السياسية نتيجة اعتداله ووسطيته. ويبدو أن هذه الميزة التي سمحت له ولأولاده وأقربائه من بعده التغلغل بين مختلف الشرائح الاجتماعية في المجتمع الدمشقي وخارجه، سببت له مع مرور الوقت "نقمة" استفادت منها جماعة "زيد" الرفاعية. فالرفاعيون وإن لم يعلنوا أنهم ضد السلطات بقوا على مسافة منها، هذه المسافة تجلت وظهرت من خلال ملاحقة السلطات بعض من أفرادها ومحاربتها للبعض الآخر. وكان من نتائج ذلك أن تعاطف معهم جمهور لابأس به على عكس جماعة كفتارو المقربة من السلطة.

الجماعة الثالثة تسمى "جماعة الفتح"، نسبة الى معهد الفتح الإسلامي الذي يديره ويشرف عليه رجل الدين حسام الفرفور وهو أيضا سليل أسرة دينية دمشقية. وهذه الجماعة أقل تأثيرا وقوة ونفوذا من تلك الجماعتين، وعلى سبيل المثال فإن مشروعاً لشراء قطعة أرض لبناء جامع أو معهد ديني لمصلحة "مجمع الفتح"، احتاج في وقت ما الى تبرعات بقيمة 150 مليون ليرة سورية، هذه المجموعة أو الجماعة لم تجمع سوى 20 مليون ليرة، مما أضطرهم للاعتماد على "جماعة زيد"، حيث يستطيع هؤلاء جمع المبالغ التي يريدونها، طالما كان لهم تأثير كبير على النخبة.

في السياق ذاته، ثمة تواجد وحضور ومريدون واتباع لشخصيات دينية معروفة مثل محمد رمضان البوطي الأستاذ في كلية الشريعة بجامعة دمشق والشيخ محمد راتب النابلسي، الى عضو مجلس الشعب محمد حبش، وايضا هناك الكثير من المريدين لمفتي الجمهورية أحمد حسون في حلب ومحيطها، كذلك هناك جماعة من اللاعنفيين متأثرة بأفكار الشيخ جودت السعيد إلا أن هؤلاء قليلون جدا مقارنة بتلك الجماعات الثلاث.

في النهاية لا بد من توضيح مسألة ضرورية وهي أنه لا يوجد خلافات بين "جماعة زيد" و"جماعة كفتارو" أو "الفتح" على أسس فقهية أو دينية، بل الفرق يكمن في وصفهم وتصنيفهم اجتماعيا من قبل الجمهور "الاسلامي".

شعبان عبود - دمشق

غوبلز سوريا!

غوبلز سوريا!

د. فاضل الخطيب

خاص – صفحات سورية –

"كلما أسمع كلمة ثقافة أمدّ يدي إلى المسدس", هذا ما قاله غوبلز, وزير شرطة هتلر

وقد تكون هذه العلاقة الديالكتيكية بين الثقافة وبين سلطة القمع واحدة, في عهد هتلر وما قبل هتلر وما بعد هتلر.

وتاريخ المنطقة منذ عشرات القرون وحتى يومنا هذا يعكس هذه العلاقة التناقضية ـ التناحرية بين الثقافة وبين الاضطهاد ، بين حرية التفكير وبين سياسة السلطة وتظهر هذه العلاقة بوضوح واضح في سوريا, وفي تعامل نظام القمع مع الكلمة والمثقفين.

المثقفون السوريون والذين يمثلون اليوم ضمير الوطن ووجدان الشعب, يمثلون المستقبل المنشود الخالي من كل أنواع القمع واعتقال الكلمة.

وقد أعلن المثقفون وأثبتوها أنهم ليسوا محايدون, إنهم منحازون, وهي تهمة لا ينكروها, هم منحازون لمن هم "تحت" وموقف المثقفون في سوريا موقف تاريخي, وموقف النظام منهم موقف تاريخيّ أيضاً,

إنه قمة الوطنية, إنه حضيض الغباء والجهل والخوف.

إن الاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له ممثلي الكلمة الحرة, ممثلي الرأي الآخر, هو صورة عن سياسة غوبلز في سوريا، إن التعذيب الذي يتعرض له المناضل فاتح جاموس والمناضلين الآخرين هو صورة عن سياسة

غوبلز سوريا, وعلماء النفس تدرك أن سبب القمع هذا هو الخوف, الخوف من الثقافة, الخوف من الكلمة الحرة, لأن الثقافة ليست فعل تبعية عمياء ولا تصفيق حمقى... ولا تتبع خطى أحد, بقدر ما هي فعل تغييري يساهم في عملية الصراع الاجتماعي والسياسي".

الثقافة التي تقود المجتمع السوري قبل أن تقوده الساسة!

إن مثقفي سوريا هم قادة المجتمع السوري الحقيقيين, هم الذين يمثلون هاجسه وأحاسيسه, يمثلون طموحاته ووحدته المتنوعة ويدرك الكثيرون أن أفكار وسياسة القمع البائدة والتي يمثلها النظام غير قادرة على المساهمة في خلق مواقف وحالات عصرية.

وإن إحدى مميزات النظام السوري, أنه ليس مستعداً لمصارحة نفسه قبل مصارحة الشعب إنه غير صادق مع نفسه, كما أنه غير صادق مع الشعب.

وهذا النظام الذي يحاول إبطاء الزمن, مستخدماً كل ما ورثه من أساليب القمع والترويض والتدجين, هذا النظام لا يفهم أن كسر الفولاذ أسهل من ثنيه, وأن ثني أحرار الوطن مهمة فاشلة لأن مثقفي سوريا يؤمنون

بأن "الطغاة كالأرقام القياسية لا بدّ أن تتحطم في يوم ما" كما عبّر عن ذلك محمد الماغوط

ويدرك المثقفون أن الوطن بحاجة لأفراد لا تخفي الأخطاء والجرائم, بل تكشفها وتعريها للشمس.

انتم يا من كتبتم ما يستحق أن "يُقرأ" .. وفعلتم ما يستحق أن "يُكتب أنتم يا أحرار سوريا المعتقلين, لا يهمكم ما يقوله رجال غوبلز عنكم, لكنه يهمكم ـ أعتقد ـ أن يعرف غوبلز ما يُقال عنه.

وكلمة أخيرة أقولها لبعض قيادات الحركة الوطنية السورية بأنه, لا معنى لارتكاب الأخطاء إذا لم تتعلموا منها.

تعلموا من مثقفينا الأحرار, لأنهم كالذهب الذي لا يتوضع عليه الصدأ!

والمراهنة على الخارج ـ وخاصة على أمريكا ـ هي نفس المراهنة على غوبلز سوريا, وأي مساعدة خارجية يجب ألاّ تتعدى الدعم السياسي, لأنه ليس بالتأكيد مصالح الوطن السوري تلتقي مع مصالح أمريكا

إن إجبار غوبلز سوريا على الإفراج عن الكلمة الحرة المعتقلة في سجونه هي مهمة كل وطنيي سوريا, ومهمة المقيمين في المهجر مضاعفة.

معتقلي الرأي يدفعون ثمن "حريتنا" وثمن سكوت بعضنا, وثمن مماحكاتنا فهل نستطيع تنفيذ جملة قالها حافظ الأسد يوماً وتقول "لا أريد لأحد أن يسكت على الخطأ أو يتستر على العيوب والنواقص هذه الجملة ستقضي على نظامه وعلى حكم أسرته

إن موقف النظام من حرية الكلمة هي مثل طفل يسأل أمه: يمكن أن أشاهد التلفزيون؟

فتجاوبه أمه: نعم, لكن لا تشغّله!

وسننشد لا محالة معاً ومن الشعر الشعبي

"حيّ فالك يا سوريا ... فالك حيّ فال

طوّعت بالحرية ... غوبلزنا وزال

طوّعت فكره النازي .. يا ممتازي

حيّ فالك عمبتوازي .. صدمات ثقال"

وكما أن غوبلز سوريا مؤمن بسياسة غوبلز هتلر, لكنه لا يُدرك نتيجة غوبلز وهتلر طريق واحد أمامهم وهم يحثّون السير فيه, وطريق واحد أمام وطنيي سوريا وفي مقدمتهم المثقفين وهم يحثّون السير فيه

والكثير من الذين يعيشون في المهجر كلما ذُكرت إسم سوريا يتذكرون معتقلي الرأي ومثقفي الوطن, وكلما ذُكر إسم مثقف معتقل تظهر خريطة سوريا في الذاكرة.

عند سماعه أول كلمة في أول سطر للبيان

أمسك مسدسه ونادى السجّان

لا خوفُ من إسرائيل, ولا من الأمريكان

ما يُؤرق سيد النعاج والخرفان

أن يسمع كلمة ثقافة, أو إسم لبنان

إنني على قناعة أنه على المثقف الحقيقي في ظل ظروفنا أن يكون مستفِزاً أحياناً

وقد يكون الاستفزاز هو المحرّك للخروج من النمطية الراسخة الجاهزة, ونحن أحوج ما نكون إلى "هزّ تلك الأفكار" الراكدة في عقول الناس!

ورغم قناعتي أن النظام السوري غير قابل وغير قادر على الإصلاح, لأن البدء بإصلاحه يعني انهياره كأحجار الدومينو لكنني أقول للعارفين الصامتين

"كل هذي النوق والفرسان لن تبغي السبيل

والحمار الغر يمضي فوق رأس القافلة"

بودابست, 19 / 6 / 2006,

ابتكار تنفرد به فضائية الجديد اللبنانية: تحويل نشرة الأخبار إلي فيلم رعب

ابتكار تنفرد به فضائية الجديد اللبنانية: تحويل نشرة الأخبار إلي فيلم رعب

حكم البابا


لكل محطة تلفزيونية في لبنان سياستها الواضحة، تظهر في نشرات أخبارها ولا تخفيها برامجها الحوارية السياسية، فمحطة المستقبل تحولت منذ أكثر من عام إلي محطة من محطات الهنود الحمر، باستثناء وحيد هو أن مذيعيها لا يضعون الريش حول رؤوسهم، ولا يدهنون وجوههم بالأصباغ الملونة، وماعدا ذلك فكل برامج المستقبل تدق الطبول وتنفخ الأبواق، معلنة عن حفلة شواء قادمة للنظام السوري، وتطلق الصرخات والولولات مع قرب صدور كل تقريرجديد للجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، معلنة أن الفريسة تكاد تقع في الفخ، وما هي إلا أيام لتقلّب علي النار، ودقائق من بعدها لتصبح في الفم. بينما تلتزم محطة المنار بدور الوكيل الشرعي لسماحة التلفزيون الايراني قدس الله سرّه، فمنذ انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في ايران انقلب حال المنار، ولم تعد مشاهدة برامجها كافية لفهم سياستها، وأصبح المشاهد بحاجة لقراءة آخر تصريحات الرئيس الايراني، ومن ثم عليه أن يتبعها بسماع أحدث تلطيفات وتفسيرات الناطق باسم الحكومة الايرانية لتصريحات أحمدي نجاد، قبل أن يبدأ بمشاهدة أي من برامج المنار، ليستطيع فهم آخر توجهاتها السياسية، أما سياسة محطة الـ
LBCI فتلخصها ابتسامة مارسيل غانم في برنامجه كلام الناس ، السعيدة والشامتة بمعركة تلفزيون المستقبل وتياره مع النظام في سورية، كما لو أنه يردد المثل القائل: بيد عمرو لا بيدي. وإذا كانت سياسة هذه المحطات واضحة، وأسبابها مفهومة، فإن من غير المفهوم وغير الواضح أن تبني محطة تلفزيونية وجودها وسياستها علي الجكر والمناكدة مثلما يفعل تلفزيون الجديد أو الـ NEW TV!!

جنبلاط مع رشاش اتوماتيكي!

فأول ما يشعر به مشاهد نشرات أخبار محطة الـ
NEW TV هو أن التدريب الذين تلقاه مذيعوها قبل ظهورهم علي الشاشة، لم يكن في فنون النطق الصحيح والالقاء، وعض اللسان عند لفظ الأحرف اللثوية، والتفريق بين الذال والزين، وبين الثاء والسين، بل كان في فنون العض والتنتيف والقضم والالتهام والافتراس، وأن الدورة التي خضعوا لها قبل اعتمادهم كمذيعين ليست في كيفية قراءة الخبر، والالتزام بالفواصل والنقاط واشارات التعجب والاستفهام، وانما دورة خاصة في الصاعقة تعلّم فصل رؤوس الأفاعي عن أجسادها باستخدام الأسنان والأضراس، ومن قام بتدريبهم لابد وأنه شدد عليهم بإظهار الأسنان باعتبارها أنياباً قاطعة، ولهذا السبب بالذات يصر مذيعو نشرات أخبار تلفزيون الـ NEW TV علي شد شفاههم حتي تظهر كامل أسنانهم مع جزء من اللثة، إلي الدرجة التي يخيل فيها لمشاهدهم أحياناً بأن ما يراه اعلاناً لمعجون أسنان أو درساً في المحافظة علي اللثة لا نشرة أخبار، ولاشك أن المثال الذي عرضه أمامهم من قام بتدريبهم كنموذج للشخصية التي يجب أن يلبسوها خلال قراءة النشرة، هو شخصية أم ودود الثأرية، التي أدتها الفنانة السورية سامية جزائري في فيلم دريد لحام كفرون ، وهذا ما يفسر شعور المشاهد برغبة في الابتسام خلال مشاهدته لنشرة أخبار هذه المحطة، وخشيته أحياناً من أن يطق عرق أو ينفجر شريان في رقبة المذيع أو المذيعة، من فرط الجدية والتوتر اللذين يظهران عليهما، ومما لا شك فيه أن المذيع يخضع قبل ظهوره علي الشاشة لتقديم نشرة الأخبار لعملية توتير روحي وتعذيب نفسي شديدتين، كأن يقال له إذا ماكان هناك خبر عن النائب اللبناني وليد جنبلاط في النشرة، تخيل وأنت تقرأ الخبر أن وليد جنبلاط اقتحم بيتك وهو يمسك رشاشاً أتوماتيكياً، ووجد أباك في غرفة الجلوس فأطلق عليه النار، ثم دخل إلي غرفة النوم فقتل اخوتك، وبعدها توجه نحو المطبخ وأطلق النار علي أمك.
أو توضع المذيعة في غرفة مظلمة مع موسيقا جنائزية ويقال لها قبل أن تخرج لتقف أمام الكاميرا، وتقرأ خبراً عن زعيم الأكثرية النيابية سعد الحريري، تصوري وأنت تقرأين الخبر بأن سعد الحريري يضع سكيناً علي عنقك، قاومي، ودافعي عن نفسك، واصرخي، ثم يطلق المذيع والمذيعة وهما محتقنين طالبي ثأر وشاربي دم لقراءة نشرة الأخبار، فيري المشاهد أمامه تمثيلاً واقعياً لعملية افتراس أجساد حية علي الشاشة بدلاً من نشرة أخبار، ويخيل لي أن ديكور غرفة إعداد الأخبار في الـ
NEW TV صمم علي شكل مشرحة أو مسلخ، أو غرفة عمليات جراحية في مشفي قطاع عام!

مقاومة بالسشوار!

ما تقصر عنه الـ
NEW TV في نشرات أخبارها تستكمله ماريا معلوف في برنامجها بلا رقيب، فأي متابعة لاعلان المحطة عن حلقة جديدة من البرنامج، تشعر مشاهده كما لو أنه تلقي استدعاء لمراجعة فرع مخابرات، أما مشاهدة البرنامج نفسه فتحتاج إلي مشاهدين مازوشيين يتلذذون بتعذيب ذواتهم، وهم يتابعون سادية أداء ماريا معلوف، التي تقدم برنامجها باعتبارها مناضلة لا مذيعة، متنقلة من تلبّس شخصية خولة بنت الأزور إلي تمثل شخصية جميلة بوحريد، ومن فرط ولهها بالمقاومة ودفاعها عن بقاء سلاحها، وإصرارها علي فتح كل الجبهات مع العدو الصهيوني، الذي يتناقض مع شكل مكياجها الصارخ الذي يصلح لتقديم السوبر ستار أو حفلات البرايم النهائية لستار أكاديمي، أكثر مما يصلح لبرنامج سياسي حواري، يخطر علي بال مشاهدها أن يسأل عن أي سلاح مقاومة تتحدث ماريا معلوف؟ وأي جبهة تريد ماريا معلوف أن تبقي مفتوحة؟ تقضي ماريا معلوف وقت البرنامج بتوجيه تهم التخوين أكثر مما تطرح الأسئلة، وتنتظر من ضيوفها المزاودة عليها بتوزيع صفات العمالة أكثر من انتظارها لاجاباتهم، وربما لهذا السبب بالذات اعتبر التلفزيون السوري أنه معني بهذا البرنامج باعتباره يمثل سياسته، فتبني مقدمته ماريا معلوف، التي غدت تسمي رسمياً في سورية الزميلة الاعلامية، وخصها بإدارة عدة ندوات علي شاشته، ووصلت ثقته بها إلي الحد الذي اختارها في إحدي الأمسيات لتقديم نشرة أخبار الثامنة والنصف الرئيسية لديه، وأفردت لها جريدة الثورة السورية مساحة لكتاباتها، واعتمدت باعتبارها المنفذ الأخير الذي لايزال مفتوحاً، للخط العسكري المغلق عند نقطة المصنع الحدودية اللبنانية.
لمجمل هذه الأسباب تعتبر متابعة محطة الـ
NEW TV مميتة للذين يعانون من أمراض القلب وتصلب الشرايين وارتفاع الضغط، وخطرة علي الصحة النفسية لأنها تصيب بالبارانويا وتسبب الفصام، ولو سألت ما هو هدف المحطة من كل ما تقدمه من برامج اخبارية أو سياسية تعتمد علي الجكر ، لأجبت دون تردد بأن الـ NEW TV حزينة فعلاً لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري لكنها حزينة أكثر علي أن مجموعة 14 آذار لم تكن معه في موكبه، فأطنان المتفجرات الاعلامية التي تقوم بزرعها بانتظام حول هذه المجموعة، لا تقل أبداً خطورة عن التفجير الذي تعرض له موكب الرئيس الحريري!
كاتب من سورية

القدس العربي

بطاقة اعتذار للعراقيين عن تمجيد الزرقاوي

بطاقة اعتذار للعراقيين عن تمجيد الزرقاوي

خالد الحروب

مشهد التقريظ والتمجيد والمدح وخلع ألقاب البطولة والشهادة على الزرقاوي بعد مقتله هو مشهد مخجل بكل المعايير. المشاركون في ذلك المشهد يتعددون؛ ففيهم أناس مضللون بالنقمة والخطابات الشعبوية المدمرة, وفيهم مثقفون يظنون أن كل من قال" تسقط أميركا" فهو بطل أو مشروع بطل, وفيهم إعلاميون مضللون يبحثون عن التصفيق ويتلاعبون بمشاعر الناس ومضامين القضايا, وفيهم مع الأسف نواب وبرلمانيون في الأردن داسوا على مشاعر العراقيين ولم يحرك في قلوبهم المتحجرة أن غير المأسوف عليه كان السبب وراء سقوط ألوف الأبرياء من العراقيين. سوف يزمُّ كثيرون شفاههم هنا ويقولون: وماذا عن عشرات الألوف الذين قلتهم الأميركيون؟ وكأن القتل هنا يبرر القتل هناك. ليس هناك علاقة بين إدانة الزرقاوي وكل جرائمه وبين تسطير أي موقف لا يدين الأميركيين بذات اللغة وأشد. وبوضوح أكثر الاحتلال الأميركي في العراق مشروع وحشي وقذر, لكن وحشيته وقذارته لا يجب أن تبررا لنا التسامح ولو قيد أنملة مع أناس لم تكن لهم بوصلة سوى شهوة الدم العراقي, وكانوا يعتبرون قتل الشيعة في العراق أحل من قتل الأميركيين. هذا بغض طائفي أخطر من الاحتلال. الاحتلال سينتهي عاجلاً أم آجلاً لكن الدم الطائفي الذي ساهم الزرقاوي في إسالته في العراق لن ينتهي بسهولة.

قراءة ما كتبه كثيرون عن الزرقاوي تمجيداً وتخليداً تصيب المرء بالخجل من الحالة الفكرية والانحطاط الثقافي والإنساني الذي وصلنا إليه. ويتضاعف ذلك الخجل والمرء يتخيل صور ألوف الأبرياء من العراقيين الذي قتلهم الزرقاوي في غزواته الخالية من المروءة وأدنى قدر ممكن من الرجولة. صور ألوف الأطفال وصرخاتهم الباكية على آبائهم المضرجين بالدماء بسبب رصاص الزرقاوي تخرج من بين سطور التمجيد التي كتبت في الزرقاوي لتدين كل من كتبها. وصور ألوف الأرامل وهن يلطمن صدورهن بعد أن قضت سيوف "أمير الذباحين" على أزواجهن وأدخلهن حياة البؤس إلى الأبد ستظل تلاحق الذي فقدوا الإحساس بالإنسانية والأخوة والتضامن. ليتامى العراق وأرامل العراق، وللدم الذي سال على صفحة دجلة والفرات جراء عمى الإجرام الزرقاوي علينا أن نرسل بطاقة اعتذار باكية عن كل حرف أو كلمة تمجيد كتبها، أو نطق بها، من لم تهز مشاعره صور الدم والإجرام... فيا أيها العراقيون الثكالى عذراً وتأسفاً!

الزرقاوي مجرم كبير استسهل إراقة الدم المسلم وأطلق "سُنة الذبح" الهمجية المخجلة. في كل مكان في العالم صارت قصة "الذبح من الوريد إلى الوريد" ماركة مسجلة للمسلمين, وكأنهم لا قلب لهم وقدَّت مشاعرهم من حجر. من أجل هذه الصورة فقط, إن كان ثمة حليم في عداد مادحي الزرقاوي, لا يستحق هذا الأخير أدنى نقطة تأييد أو احترام. في بياناته وتصريحاته وخطاباته التي تغيب عنها شهامة أهل الجاهلية فضلاً عن أخلاق الإسلام الحميدة في الحرب, كان يتفاخر بذبح امرأة تعمل في جمعيات خيرية لصالح العراقيين, أو عجوز يعمل سائقاً في العراق, أو صحفي أو صحفية جاء إلى العراق ليغطي جرائم جورج بوش هناك.

الزرقاوي طائفي كبير استسهل العبث الطائفي، ورأى أنه لابد من إشعال حرب أهلية بين سُنة العراق وشيعته, بل وطوائفه الأخرى, واشتغل على ذلك. استهدف جوامع الشيعة, وكنائس المسيحيين, ومن قتلهم من العراقيين أضعاف أضعاف من قتلهم من الأميركيون. والذين لم يروا فيه إلا "مجاهداً" ضد الاحتلال الأميركي، لا يرون إلا بعين واحدة. فمحاربة الأميركيين لا تشرعن القتل المحلي, وليس كل من أطلق رصاصة على مصفحة أميركية صار منظِّراً لمستقبل العراق, وصار يحق له قتل من شاء والعفو عمن شاء. يجب التفريق بين تبني المقاومة واستخدام المقاومة كوسيلة لفرض شرعية فوقية على المجتمع والناس, وكأن المقاوم يصبح قديساً فوق الشبهات يجوز له العبث يميناً وشمالاً في مستقبل الناس وحاضرهم.

الزرقاوي وإرهابه وجرائمه هو أحد الأسباب في إطالة عمر الاحتلال الأميركي للعراق, على عكس المقاومة العراقية. فاستهداف المدنيين العراقيين والفوضى الأمنية التي زرعها في طول وعرض العراق وفرت مسوغاً كبيراً للأميركيين لأن يبقوا ويطيلوا من عمر احتلالهم. فهم لا يستطيعون مغادرة العراق وهو غارق في الذبح الطائفي لأن ذلك سيضعهم في أسوأ صورة ممكنة وبأنهم من جلب ذلك إلى البلد.

وبطاقة الاعتذار لأهل العراق المزنرة بالخجل من كل نص مدح فيه الزرقاوي تصبح أكثر إلحاحاً جراء ما قام به نواب إسلاميون أردنيون من تعزية في مقتله واعتباره شهيداً وبطلاً. يسترخصون دم العراقيين الأبرياء وقتلهم, ويسترخصون دم الأردنيين والفلسطينيين الأبرياء وقتلهم وهم الذين سقطوا في "غزوة عمّان" حيث استهدف "أسود الزرقاوي" عرساً عادياً بريئاً وتمكن "مجاهدوه الأبطال" من إطاحة العريس والعروس وأهلهما جميعاً وكل المدعوين. لا يتدنى لمستوى هذا الانحطاط المنسوب لـ"الجهاد" إلا انحطاط تأييده وتبجيله والبحث عن مسوغات له. كيف يمكن لنواب الشعب أن يؤيدوا من أراق دم من انتخبهم ويصفوه بالشهيد والبطل؟ أين هي أخلاق الدين والمروءة والحرص على الدم المسلم؟ أم هو عمى الأيديولوجيا والتطرف والعصبية الحزبية يقود إلى مهاوي التفكير السقيم والفتاوى الأكثر سقماً؟

مرة أخرى سوف يزمُّ كثيرون شفاههم، ويقولون: ولكن أين الحديث عن الاحتلال الأميركي الذي كان وراء كل هذه المصائب؟. وكأن عقلنا الجمعي صار صغيراً إلى درجة فاضحة بحيث أنه من المحظور مناقشة قضية محددة دون أن نربطها بـ"المشروع الإمبريالي الأميركي ضد المنطقة". الاحتلال الأميركي للعراق وأهدافه في المنطقة جلب كل المصائب, وسيجلب مصائب أخرى. ونحن إما أن نساعده في جلب مصائب إضافية على أنفسنا وإما أن نواجهه ونقلل من تلك المصائب. مصيبة الاحتلال لا تعني التبرير لمصيبة الزرقاوي ومن هو على شاكلته. مقاومة أي احتلال يجب أن تتمسك بالتفوق الأخلاقي وبعدالة القضية أولاً وأخيراً. إن سقطت المقاومة في اختبار الأخلاق سقطت عدالة قضيتها وتساوت مع المحتل. وهذا ما حدث مع الزرقاويين والظواهريين والبندلادنيين, حيث انحطوا بقضايانا العادلة ويريدوننا أن نلحقهم في هذا الانحطاط.

الاتحاد

همسة في أُذن الرفيق نوري بريمو..؟!

همسة في أُذن الرفيق نوري بريمو..؟!

وليد مصطفى - ناشط في حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا - يكيتي –

بعد الإطلاع على بيانكم رقم (1) والبيان التأسيسي لحركة الحقيقة الكردستانية في سوريا شعرت وكأنني أقرأ عبارات ومفاهيم سياسية كتبها مناضل لم أعرفه أو لم أتعرَّف عليه أوعاشرته لفترة غنية نسبياً، فبيان يحمل توقيع نوري بريمو بمثل بيانكم رقم (1) لم أكن أصدِّقُه لولا تحدثكم معنا مباشرة بعد نشرها، فما ورد فيها يحمل الكثير من الإجحاف والمغالطات تجنيَت من خلالها كثيراً على الحزب ونهجه أولاً ثم الرفاق ومن بعدهم على سكرتير الحزب في وقتٍ يتنامى فيه دور الحزب في مختلف المناطق الكردية مؤخراً (فنحن في الداخل من نُقدِّر مدى تنامي دور الحزب، وخير مثال على ذلك مشاركة أكثر من (2000) من الطلبة الكرد في جامعة حلب في رحلة ترفيهية إلى موقع زرافكي ومشاركة أكثر من (2500) شخص من رفاق وأصدقاء حزبنا في الرحلة التي أقامها الحزب إلى موقع قازقلي علماً أنَّه لم يفصل أكثر من أسبوع بين الرحلتين وكلا الرحلتين كانتا بعد صدور بيانكم) علاوة على ذلك فقد خلى هذا البيان خالية من أيَّة لغة دبلوماسية وسياسية وحتى الروح الرفاقية التي عهدناك عليه، ورغم تأكيد الرفاق على ضرورة عدم الرد لأن الرفيق نوري مازال رفيقاً لنا ويجب الوقوف بجانبه ليستعيد توازنه السياسي التي خرج عنها وخاصة منذ إقامته في كردستان العراق، إلا أنني لم أستطع أن أقف مكتوم الفم خاصة بعد صدور بيانكم رقم (2) وصدور بيان حركة الحقيقة الكردستانية مؤخراً ـ لأنني ـ وأننا كرفاق ـ لا نُريد أن نخسر رفيقا مثل نوري بريمو وهذا ما تُؤكد و تحضُّنا عليه القيادة السياسية للحزب حتى هذه اللحظة..

أما بصدد المغالطات التي ورد في البيان رقم (1) ولتعذرني أن أورد بعض جوانب التجني فيه علَّها تكون موضوع مراجعة نقدية ذاتية تقوم بها لتصحيح ما يجب تصحيحه بالرغم من أننا لم نكن نرضى أن نجري نحو تُوضيح المفاهيم والمواقف لبعضنا البعض إلا أنَّكم أجبرتمونا على فعل مثل هكذا موقف:

1ـ خرج البيان عن كل ما يُسمى بالبيان السياسي المتزن والتي عهدناكم عليه، وذلك لورود الكثير من الألفاظ والعبارات التي خرجت عن الأدب السياسي والروح الرفاقية وخاصة تلك التي نعيتَّ بها سكرتير حزبنا ولا أريد أن أُذكِّرك بها فهي خارجة عن سياقها حتى في مثل هذه الهمسة الرفاقية.

2ـ يعتبر هذا البيان تهجماً واضحاً على جميع الرفاق فهذا السكرتير لم يُنزَّل إلينا من السماء وإنِّما أُنتخِب بشكل شرعي ودستوري في المؤتمر الخامس للحزب مؤخراً (العام الفائت) والذي كنت أحد المشاركين فيها (ولربما أنك قد صوَّت له) وخاصة مع وجود أكثر من مرشح لمنصبي السكرتير والرئاسة،إلا إذا كنت تستخف بالقدرات العقلية والسياسية والجرأة لدى الرفاق في القدرة على التعبير عن قناعاتهم ومواقفهم..

3ـ أما المغالطة الكبرى فيتعلق بالاجتماع الموسع الاستثنائي الذي عُقد مؤخراً والذي سميته اجتماع شيخ آلي وحاشيته، فهو بعيد كل البعد عن الصواب والحقيقة وهو قبل كل شيء إجحاف بحق رفاقك جميعاً، فنحن لا نعيش في مزرعة للأبقار (معذرة من الرفاق على استخدام هذا المصطلح) يتحكَّم فيه شخص مثل شيخ آلي أو نوري بريمو أو اسماعيل عمر أو..(مع احترامنا لنضالهم السياسي والحزبي جميعاً) وخاصة أنَّك تدرك حق المعرفة ذلك لأنَّك حملت معهم راية تطوير الحياة الداخلية للحزب والتي قطعنا فيها معاً شوطاً كبيراً نحو تحقيق تلك الغاية وبناء حزب مؤسساتي بكل معنى الكلمة والتي كانت موضع افتخارك لدى لقاؤكم والوفد المرافق مع أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني ـ العراق ـ خلال الزيارة التاريخية التي قام بها الوفد العام الفائت برئاستكم حسب ما ذكرتها لنا العام الفائت في معرض حديثك عن فحوى الجلسات التي عُقدت بين الوفدين..!!

فهذه الروح الحزبية حيث تتجلى بالقدرة والجرأة في الوقوف على الأخطاء والمغالطات والتقصير الذي يقوم به هذا أو ذاك من الرفاق دون التفكير في شخص أو مكانة هذا الشخص في الحزب مع احترام الرابطة الحزبية التي تجمعنا جميعنا وانتهاء بالمقدرة المعرفية المتكوِّنة لدى الرفاق حول تفعيل وتطوير مبدأ الرأي والرأي الآخر داخل المحافل الحزبية وحتى خارجها وهذا ما ذكرته أيضاً لجريدة الأمل مؤخراً والتي ذكرت فيها أنني متفق مع الرفاق في اللجنة السياسية في التعبير عن بعض الآراء السياسية والشخصية من خلال المقالات الانترنيتية تطبيقاً لمبدأ حرية الرأي وهذا مسموح فيه لدى حزبنا بل عملنا ونسعى لتطويره أكثر ولا توجد لدينا مشكلة في ذلك، لذا أرجو أن تُراجع البيان مرة أخرى وأتمنى أن تُقدِّم اعتذاراً للرفاق قبل كل شيء، من قبيل الجرأة على نقد الذات ورفع سوية الروح الرفاقية بيننا..

4ـ أما بخصوص اجتماع شيخ آلي، فهو تهجُّم كبير على هذا الاجتماع وسكرتيره، لأنَّ هذا الاجتماع لم يُعقد بناءً على طلب شيخ آلي، على عكس ذلك تماما فقد كان من الرافضين لانعقادها لحين انعقاد الاجتماع الموسع الاعتيادي، لكنَّ معظم الهيئات الحزبية ومنها هيئتنا (خاصة أنَّك تدرك مدى الاتزان السياسي والفكري لهيئتنا هذه مع احترامي الشديد لجميع هيئات حزبنا) قد اقترحت منذ الشهر التاسع على ضرورة عقد اجتماع موسع استثنائي لدراسة التطورات السياسية الجارية مؤخراً في المنطقة منها على سبيل الذكر تداعيات صدور وثيقة إعلان دمشق وتحديد آلية العمل مع المعارضة السورية وتفعيل العمل الوحدوي المقترح مع كلا الحزبين (البارتي و البارتي الحليف) مع دراسة وحل وضع كلاً من الرفيقين نوري بريمو و محمود علي محمد، وقد عكست ترتيب قرارات البيان الختامي للاجتماع أولوية مواضيع هذا الاجتماع،وصدقني لو كان مثل هكذا اجتماع هو بدعوة شخصية ومآرب شخصية من قبل سكرتير الحزب لدراسة وضعكم التنظيمي لوقفت ضده ولكنت من المدافعين عنك وأنت تدرك وتعي ما أقوله تماماً ومدى المصداقية لما أقوله أكثر من غيرك..

5ـ لقد ورد في بيانكم أنًّه وبالتشاور مع الرفاق ومسؤولي الهيئات في الداخل والخارج..الخ!! وهنا أذكرك عن أي هيئات تتحدث..؟!، فصدِّقني أنَّ كثير من الرفاق احترموا شخصكم وتاريخ نضالكم السياسي الطويل حتى حين تمردتم على الكثير من قرارات المحافل الحزبية (بدءاً من عدم امتثالكم لقرار العودة بعد انتهاء زيارتكم الرسمية لكردستان العراق سعياً لتطوير العلاقات الكردستانية وعودة كامل أعضاء الوفد دون رئيس الوفد وانتهاءً برفضكم للدعوة الموجهة إليكم بحضور الاجتماع الاستثنائي، أياً كانت الأسباب لرفضكم هذا) إضافة لخروجكم عن الكثير من مواقف الحزب وسياسيته والتي تعدَّت عن أصول مبدأ الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير وخاصة أنَّك أحد الجهات المسؤولة في الحزب، ولكن مع صدور هذا البيان فقد عمل الرفاق على مراجعة ذاتية باتجاهكم ووضعوا ألف إشارة استفهام وتعجب لخروجكم عن توازنكم السياسي والحزبي دون يكترثوا بالمبررات التي تُقدمها،وما هذه إلا رسالة داخلية أوصلها لك بكل صدق..

6- أما بخصوص بيان حركة الحقيقة (طبعاً أعرف تماماً أنَّك أطلقت هذا الاسم على حركتك هذه تيمناً باسم ابنتك الغالية عليك أكثر من باقي أولادك الاخرين راستي Rasti (الحقيقة) (معذرة منك لذكر هذه الخصوصية الشديدة) وليست لأنها الحقيقة بعينها..!.

أنت رجل سياسة وتُدرك مدلول وتوقيت العبارات وإطلاق الشعارات،وحتى وقت قريب كنت تنصحنا على وجوب انتهاج سياسة متزنة ودقيقة وعدم التعامل مع الواقع بسذاجة شديدة من خلال إطلاق العبارات والشعارات البراقة بما يتناغم مع عواطف وشجون الشعب الكردي تصل إلى درجة الاستغلال..!.

فماذا حصل لك يا رفيقي وقد خرجت عن اتزانك وأصبحت تطلق الشعارات وتتلاعب بالألفاظ كيفما تشاء..!؟.

الم تُطلق ـ حتى وقت قريب جدا ً ـ على مثل هكذا حالـة سياسية بأنـها مراهقة سياسية..؟!.

ألم ترى وتسمع ماذا فعل القدر بمروِّجي الشعارات..؟!.

يا أخي العزيز..

الشعب الكردي في سوريا لم يعد ساذجاً وجاهلاً لتنطوي عليه مثل هكذا فقاعات سياسية، فما تضمنه بيانكم من عبارات وشعارات تجسدَّت على شكل خطاب سياسي لاعقلاني لم يعد مقبولا لدى عموم الشعب الكردي في سوريا (واخصُّ منها في الداخل) بما فيهم رفاق حزب الوحدة، فالزمن قد تغيّر..!.

إنَّ الخطاب السياسي للشعب الكردي في سوريا يدعوا إلى لَم وتجميع الشمل وأي خطاب أو فعل سياسي خارج هذا السياق هو مُدان بكل المقاييس بل يُعتبر خيانة واستهتار بالشعب وطاقات وقدراته السياسية في وقتنا اليوم، حتى لو كانت هناك ألف مبرر لخروج مثل هذه الجماعات أوالحركات..!!.

وأخيراً أرجو أن لا تُفهم هذه الأسطر بمثابة رداً عليكم أو تهجماً لشخصكم بقدر ما هي همسة رفاقية وأخوية (أُعذني على تقديم مثل هذه الهمسة من خلال موقعي هذا) علَّكم تعودون إلى رشدكم واتزانكم السياسي لنعمل معاً على بناء وتطوير نهج الحزب من خلال الأُطر والمحافل الحزبية وليس من خلال ريموت كونترول وبعض المقالات على صفحات الانترنيت، لذا كل ما أتمناه هو تقديم اعتذار للرفاق قبل كل شيء أما بخصوص الخلاف مع شيخ آلي واللجنة السياسية فلن أدخل في تفاصيلها ومغالطاتها وإنَّما أتمنى أن تُحل وفق السلوكية والمعايير الحزبي التي تعرَّفنا عليها من خلال المحافل الحزبية، وخاصة أنَّ القيادة والرفاق مازال صدرهم واسع لاحتواء الأزمة فكلنا متفقون أن لا نخسر رفيقاً مثل نوري بريمو خاصة في الوقت الذي بدأ فيه رصيد وشعبية حزبنا يتوسع بشكل متزايد في مختلف المناطق الكردية وأن لا يكون بيانكم هذا بمثابة طلقة رحمة على تاريخكم النضالي السياسي فهذه الطلقة إن كانت ستدمي فلن تُدمي سوى من أطلقها..!!!

مستعمرة العقاب

2006-06-18

مستعمرة العقاب

سمر يزبك

خاص – صفحات سورية –

المدرسة السلوكية في علم النفس تقدم لنا مبادئ وتعليمات في السلوك، لعل أشهرها التعليم بالاقتران الشرطي، حسب بافلوف الشهير. كما تبين كيف تمّ استخدام هذ النظرية في تطبيقات عملية على البشر، وذلك في مجالات عدة (الاعلانات، الحرب النفسية، ترويض الجماهير، غسيل الأدمغة). ولعل أهم هذه الحالات ـ بعيداً عن كلب بافلوف، بالطبع ـ هي أنساق الترويض الشرطي، المتمثلة بإنزال العقاب القاسي حيال أي تصرف ينال من السلطة. وهو عقاب مستمر ومتواتر ومدروس يحوّل الفرد إلى رقيب على ذاته، ويشكل داخل شخصيته جهازاً مخابراتياً مستقلاً يعمل بدافع الخوف من العقاب. فكلّ فعل لا يؤدي النتائج التي تصب في ذات السلطة، مصيره العقاب. والعقاب المولد للرعب يحوّل البشر إلى آلة من الخوف، لا تنتج إلا الجمود والثبات والسكون، رغم أن مجتمعاتنا لا ينقصها غياب الإعمال العقلي بعد أن مرّ القرن الثامن عشر ولم يمطر خيراً عميماً فوق عقول العرب.

والأمر الثاني، الذي لا يقل خطورة عن الأول، يتمثل في التنفير، بمعنى تدريب الإنسان على تجنب ما هو مثير للنفور والألم، وتمرينه بحيث يصبح تجنب التنفير جزءاً لا يتجزء من شخصية الفرد. هنا يرتبط كل فعل بألم شديد، وهذا التدبير في حقيقته كان يطبق لعلاج بعض السلوكات الجنسية الشاذة، لكنه في علاقة الفرد بالسلطة يتحول إلى قاعدة. فالسلطة المستبدة تقرن كل فعل خارج عن سيطرتها بالتنفير منه، فيقترن فعل نقد الدولة أو مخالفتها الرأي ـ أي ببساطة ممارسة حق المواطنة بالإنتماء إلى بلد معني بالإنسان، والإنسان معني فيه ـ بفعل إلى ملازم شرطي هو السجن، أو التكنيل بالشخص أو ذويه، أو النفي، أو الملاحقة.

وهذا يعني اشتراط فعل حرية الرأي، بمصادرة حياة الآخر، وبالتالي تصير الحرية نوعاً من العقاب القاسي، وتتحول شيئاً فشيئاً في الوعي الجمعي إلى مخاطرة بالحياة، وتهور، وانتظار أقصى العقوبات الممكنة وغير الممكنة من السلطة. وهذه الأخيرة تذهب إلى أقصى ما لديها في تعليم الأفراد كيفية الاستجابة لها، بالاستسلام والتبلد المطلق وانعدام أي رد فعل ممكن، من خلال مثيراتها المنفرة تلك، فيتكيف الأفراد مع الصدمات المتتالية للقمع، ويتحولون إلى جزء من آلية السلطة نفسها ليصبحوا بمأمن منها. وهم في هذا دون كيان أو مرجعية أو ذاتية، لأن ذواتهم تتماهى مع ذات السلطة، وبذلك يأمنون الألم، ويسكنهم الخوف الملازم لفعل البقاء.

وفي سوريا كان لتحول الخوف من رد فعل الى جزء من سلوك، الأثر البالغ السوء في الحياة الثقافية والسياسية على حد سواء. فالثقافة والسياسة كانتا على الدوام مترابطتين، ونادراً ما نجد معارضاً سورياً غير مثقف. ولهذا فقد ارتبط هبوط الحركة الثقافية وغياب الدور الفاعل للمثقف، مع الغاء السياسية في سوريا، واشتداد تدابير التنفير والعقاب. بدأ هذا منذ أواخر السبعينات وحتى نهاية الألفية الثانية، قبيل انطلاق ما يسمى بربيع دمشق، وانبلاج طيف خٌيّل لكثيرين أنه يمهد في سوريا لحراك سياسي ومجتمعي قادم.

لكن الربيع هذا لم يستمر طويلاً، واعتُقل العديد من ناشطيه ومثقفيه، وتُوج الخيار الأخير للسلطة في الذهاب نحو أقصى درجات التنفير والعقاب. المثال حملة الاعتقالات الأمنية الأخيرة التي طالت مثقفين وناشطين في منظمات المجتمع المدني، بينهم مثقفون معروفون باعتدالهم وبدعواتهم للمصالحة الوطنية الداخلية، وهي خطوة تذكر بموجة الاعتقالات التي شهدتها مراحل سابقة. وطيلة أكثر من عقد ونيف، أخذت موجة الاعتقالات الأمنية تنحسر بسبب السبات الكامل والتام الذي أطبق على البلاد، وترافق مع استقرار الخوف وانقلابه إلى سلوك طبيعي ومشروع ومنطقي ما دام سيجعل الأفراد في مأمن من آلية العقاب والتنفير التي تنتظرهم، إذا حدث وصاروا ذواتاً مخالفة لذات السلطة.

وفي اعتقادي أن خوف السلطة على هذه الذات، وقلقها من فكرة عودة المثقف المستقل الى الحياة السورية، هي التي سرّعت خنق صوته لعقود مضت، وكانت السبب الكلاسيكي عند توجيه درس قاس إلى كل من يفكر في التدخل بالشأن العام. بل كانت جزاء كلّ من يستخدم حتى أبسط حقه، كمواطن سوري، في الانتماء الى بلده واسترداد دور المثقف المستقل الفاعل، المعني بتنشيط الفكر والعقل وفتح باب المساءلة والحوار في مجتمعه الراكد. وإنّ إحياء دور كهذا يعني أنّ ذلك المثقف قد تجاوز فكرة الخوف، وصار من الواجب تذكيره بالعقاب، وباقتران فعل التعبير عن حرية الرأي بردّ فعل السجن والتعذيب.

الخوف، الذي صار جزءاً ملازماً من آلية التفكير والسلوكات الاجتماعية المنتتشرة في جميع مرافق الحياة السورية، أفسد الكثير من مظاهر الحياة المدنية أكثر مما هي مفسدة: الجار يخاف من جاره، والعامل من زميله في المعمل، والموظف يخشى على موقعه من زميله الموظف. وهكذا تتفشى سياسة الولاءات الطائفية والأمنية، ثمّ الأسوأ الذي يمكن أن تنتجه سياسة الخوف هذه، أي الانحدار الأخلاقي للفرد رغبة منه في التمسك بمصالحه وبقائه، بحيث يتحول الفرد إلى ظلّ باهت للسلطة، وعميل مأجور بثمن بخس أو حتى تطوعاً.

ولعل الشريحة الأكثر تعرّضاُ للضرر من تنامي شعور الخوف، هي فئة المثقفين أنفسهم. ذلك لأنهم، وأكثر من غيرهم، كانوا مدركين لآلية الخراب الحاصل. وكان الكثيرون منهم قد تحولوا، بفعل الترغيب والترهيب معاً، إلى ذوات صغيرة تماهت مع ذات السلطة، وصارت صوتاً لها، ومروجاً لأفكارها. نسبة قليلة منهم انكفأت واستكانت إلى خوف القطيع المذعور الساعي إلى السلامة فقط، والأقلّ القليل منهم ما زالوا يحتمون بأحلامهم حول الديمقراطية والعدالة، سواء في داخل سوريا حيث يدفعون ثمنا باهظاً من حياتهم، أم في المنافي حيث يواصلون الحلم بتراب الوطن والبرهنة على أن حالة الترويع والعقاب والتنفير لم تفعل فعلها في علاقتهم مع حسهم الوطني والإنساني.

والخوف الذي أرادت السلطة زرعه في النفوس، ارتدّ إليها وعليها بعد أن نجحت حتى وقت غير بعيد في تثبيت ما أرادته. وإذ تستشعر اليوم دنوّ الخطر، الذي يهدد مصالحها وامتيازاتها ونفوذها، نراها تجنح إلى تشدّد أقصى هو بعض سبيلها في تهدئة مخاوفها، وتشنّ حملات الاعتقال استناداً إلى ذرائع وتهم جاهزة مسبقاً، وخارجة من الجعبة القديمة إياها، حول التخوين وضرب اللحمة الوطنية وإشاعة الأخبار التي توهن عزيمة الأمة!

والحال أنّ ما فعله المثقفون السوريون مؤخراً لا يخرج كثيراً عن طرازين من التقاليد الصحية المطلوبة واللازمة في كلّ مجتمع حيّ: أولاً، مطالبة السلطة بحوار وطني نقدي وبناء؛ وثانياً، الإعلان، الواضح والشجاع، عن تبنّي سلسلة مواقف لا تخدم مصالح النظام. هل كان غريباً، إذاً، أن تثأر السلطة على هذا النحو الفظّ العنيف، من مثقفين يدعون إلى الحوار والتجديد ورفض التشابه والمساءلة العقلية، ونكران المطلق، والذوبان في ذات السلطة؟ وهل كان غريباً أن تعلن السلطة خوفها، الحقيقي والشديد، من بروز ظاهرة المثقف المستقل، ذاك الذي أرادت الغاءه أو تدجينه أو تطويعه في إسار ثقافة الخوف التي طبعت الحياة السورية طيلة عقود؟

يُقال إن السّجان يعيش مع سجينه أطول لحظات عمره، ورويداً رويداً يتسلل سجن الأخير إلى نفس الأول، فستقرّ في أعمق أغوارها. والخوف المتبادل الآن بين السلطة والمثقف صار واضحاً، وممهوراً بحملات الاعتقال والتشديد الأمني، ولهذا فهو أيضاً مؤشر إيجابي إلى أن ثقافة الخوف لم تعد تجدي نفعاً، وأن المثقفين السوريين بدأوا يستعيدون الكثير من حركية دورهم الفاعل في بناء مجتمع ديمقراطي حر، غير مبالين بمستعمرة العقاب، وسرداب الترهيب إسوة بسرادق الترغيب!

كله تمام

كله تمام



يوسف عبدلكي

في أن الغرب طائفي، وأن موقع العقل الكوني شاغر

في أن الغرب طائفي، وأن موقع العقل الكوني شاغر


ياسين الحاج صالح

تكاد علاقة أنظمة الشرق الأوسط بشعوبها تشكل نسخة طبق الأصل عن علاقة الغرب ببلدان المنطقة وكياناتها السياسية. علاقة تجمع بين الديكتاتورية والطائفية والمحاسبية، وبين رفض السياسة والثقة المطلقة بنجوع القوة وجدواها. في فلسطين يقاطع الغرب شعبا واقعا تحت الاحتلال (واقعة فريدة في قسوتها وشذوذها). وحيال العراق استعاد وحدة تخلخلت قبيل وأثناء غزو البلد الآخذ اليوم بالتفكك. وحيال إيران تظهر وحدته المستعادة متانة لافتة. وفي الوقت نفسه يظهر الغرب المستعاد أعلى مستوى تفهم حيال إسرائيل وسياساتها ربما منذ ما يقارب الـ 40 عاما. نعرف الغرب في هذا المقام بالرابطة الأطلسية والدور الأميركي القيادي ضمنها.

استعاد التكتل الغربي وحدته على أرضية تنازلين: تنازل أميركي عن مشروع الهندسة الجيوسياسية الكبرى للشرق الأوسط (بطانته أحيانا أحلام جيوثقافية جامحة)، وتنازل أوروبي عن أية أوهام حول تشكيل محور مستقل أو معارض للسيادة الأميركية. وراء تراجع «الثورية» الأميركية والاستقلالية الأوروبية مقاومات واضطرابات دفع العراق وشعبه ثمنها الأكبر، وتمثلت أهم نتائجها في ارتفاع متجدد للطلب على الاستقرار، وتاليا إعادة الاعتبار إلى عارضيه غير الديموقراطيين من أنظمة المنطقة. على أن تغيرا حاسما وغير قابل للانعكاس قد جرى: خفض جديد لسيادة الدول المحلية واستبطان أعمق لـ»الخارج» الأميركي.

في المنظومة الشرق أوسطية تدين السلطة السيادية للولايات المتحدة، وهي سلطة غير منتخبة وغير دستورية، سلطة ديكتاتورية في حقيقة الأمر. يسعنا القول إن المنطقة الأكثر ابتلاء بالديكتاتوريات هي المنطقة التي تعاني أكثر من غيرها من ديكتاتورية القوة القائدة لـ»العالم الحر». ورغم أن العلاقة بين الديكتاتوريتين قد لا تكون سببية فإن تفاعلهما المديد يشكل نظاما عميقاً مترابطا يتبادلان فيه التعزيز، هو على أية حال ما نسميه النظام الشرق أوسطي.

على أن الولايات المتحدة، ليست القوة القائدة في الشرق الأوسط، وإن كانت القوة السيدة (في التحالف الغربي هي قوة قائدة). هذا بسبب تطرفها الشديد (انحيازها الأعمى لإسرائيل بالخصوص) وطائفيتها (عقدة التفوق الحضاري والتمركز حول الذات الغربية) ومحسوبيتها (التمييز بين الأنظمة على أسس أنانية خالصة، كما يثبت المثال الليبي). ويدرك الأميركيون أنهم يفتقرون إلى العنصر القيادي المتمثل بالاقتناع أو الانقياد الطوعي، عنصر القوة الناعمة حسب جوزف ناي أو الهيمنة حسب غرامشي، لكنهم يضللون أنفسهم بالاعتقاد أن سبب سوء سمعتهم في العالم العربي لا علاقة له بتكوين سياستهم بل بتسويقها وحده. هذا ما يرد حملاتهم لتحسين سمعتهم إلى مستوى عمليات علاقات عامة سطحية وعقيمة في الوقت ذاته، ويحكم بالفشل في مهدها. هذا أيضا ما يجعل من الديكتاتورية والإيغال في العنف الحل الوحيد للتناقض بين إرادة أميركا الحفاظ على سيادتها الشرق أوسطية (وتعزيزها كما جرى في السنوات الخمس الأخيرة) وامتناعها عن تغيير سياستها المتطرفة والطائفية (بل الإمعان فيها كما جرى في هذه السنوات نفسها).

أما أوروبا فتضحي بموقعها الموازن، المعتدل نسبيا، لمصلحة الرابطة الأطلسية. وإن كانت في ذلك لا تتعدى الاقتداء بسياسات لطالما مارستها الأنظمة العربية دون غيرها: عينها على أميركا، ولا تأخذ أوروبا على محمل الجد. ولا ريب أن التداعي السياسي والمعنوي المفرط للموقف العربي بعد غزو العراق قد أضعف قوى الاستقلالية الأوروبية، ودفعها إلى مواقع أكثر أميركية.

بيد أن وراء ذلك كله مشكلة ثقافية قيمية، تتمثل في أن الغرب الأطلسي، بعد أقل من عقدين على انتهاء الحرب الباردة، ينحاز إلى قيم ومقاربات طائفية، ويمعن في المركزية الغربية وما يرتبط بها من سياسات امبريالية. هذا بعد أن كان عمل على مطابقة ذاته مع القيم الكونية للتنوير والحداثة أثناء الحرب الباردة.

والحال إن التخلي عن تلك القيم بدا لحظة انتصارها المفترض. لقد كانت نظرية «صراع الحضارات» التي صيغت بعيد غروب شمس الحرب الباردة تعبيرا عن غلبة منطق الخصوصية الغربية على منطق الكونية. وسينعكس التخلي ذاك في «الحرب ضد الإرهاب». ففي سياق الحرب هذه لم يضيق الأميركيون، ثم لحقهم الأوروبيون، على الحريات العامة بذريعة الأمن القومي فقط، ولم يفرضوا ما يشبه حالة طوارئ عالمية (سجون سرية وتعذيب واعتقالات دون محاكمات...) فقط، ولم يتوسعوا في اللجوء إلى الحلول الأمنية والعسكرية فقط، لم يفعلوا ذلك كله إلا لأنهم رفضوا التفكير في وجود أسباب سياسية معقولة وراء الإرهاب غير المعقول. ما رفضوه في الجوهر هو فرضية تماثل الدوافع الإنسانية وقابليتها المبدئية لأن تعقل وفق مبدأ العلة الكافية. في الجوهر انصب رفضهم على فكرة العقل الكوني. الإرهاب شرير وبلا أسباب، إذاً الأمن هو الحل.

ويساورنا الظن بأنه ما كان للأميركيين والأوروبيين أن يبلوروا هذه المقاربة العنيفة واللاعقلانية والأحادية الجانب للإرهاب لو كان موقفهما من الإسلام أقل سلبية، أو لولا طائفية متأصلة اختلطت على الدوام بمبادئ التنوير والحداثة الكونية، وتفاقمت بعد كسب الصراع ضد الشيوعية، وأكثر بعد 11 أيلول. يخيل لنا أيضا أن المعسكر الغربي لم يرفع راية الكونية ضد الشيوعية إلا لأن هذه كانت كونية بطريقتها، وأن لحظة الانتهاء من تلك المواجهة هي أيضا لحظة طي تلك الراية النافلة، والعودة إلى السياسيات الطائفية والامبريالية.

كان من شأن موقف أكثر اعتدالا حيال الإسلام أن يدفع نحو معالجات اكثر سياسية واقل أمنية لمشكلات الإرهاب. ولا نرى اليوم كيف يمكن إعادة الاعتبار للقيم الكونية ومقاومة إغراءات الطائفية و»الحضارية» مع تخصيص الإسلام بموقف تمييزي.

لا ريب هنا أيضا في أن الفراغ السياسي والأخلاقي الذي يسم دول الشرق الأوسط العربية والطابع الطائفي وغير العقلاني للمقاومات التي تصدر عن مجتمعاتها يتبادلان التعزيز مع الطائفية الغربية.

والترابط البنيوي بين استبدادين طائفيين يحكم بالإخفاق الذريع على أية استراتيجية سياسية تعول على التخلص من إحدهما بالاستناد إلى الآخر: الاستناد إلى الأميركيين للتخلص من الديكتاتوريات المحلية، وهي السياسة التي زكاها نجاح الأميركيين في قلب نظام صدام حسين بسهولة قبل أن يبطلها السجل الطائفي والدامي للاحتلال الأميركي للعراق خلال السنوات الماضية؛ والاستناد إلى الديكتاتوريات المحلية لمقاومة الديكتاتورية الأميركية، وسجل هذه السياسة لا يقل طائفية ودموية، ويخلو من أي نجاح يذكر.

يبقى شاغرا موقع اعتراض تحرري وكوني وغير طائفي على دكتاتوريتين طائفيتين، تتكاملان منظوميا حتى حين تتواجهان سياسيا وأمنيا. إنه موقع يتعين إنشاؤه إن لم نشأ الاستسلام للتشاؤم.

الحياة.

أيام في توليدو: كأني ما زلت في الشام

أيام في توليدو: كأني ما زلت في الشام

توليدو ـ فايز سارة

لا تبدو توليدو الاسبانية بعيدة عن دمشق في كثير من المقاييس والتقديرات الشخصية. كان ذلك شعوراً شخصياً رافقني، وأنا أعيش ثلاثة أيام حافلة للمرة الأولى في هذه المدينة الصغيرة المليئة بالحياة.
كانت الزيارة بدعوة من مركز توليدو العالمي للسلام الذي يشرف عليه الديبلوماسي الاسباني ايميلو كسينلو تحت عنوان "الديموقراطية والمجتمع المدني في سوريا"، وهذا موضوع جعل توليدو قريبة للغاية من دمشق، التي انشغلنا على مدار السنوات الست الماضية بنشاط في نقاشات وجهود هدفها تطوير المجتمع المدني والسعي الى التحول الديموقراطي، مما جعل الأمر يبدو وكأننا ما زلنا في دمشق، نناقش أمراً هو دمشقي بامتياز، والنقطة الثانية، أن أغلب الحضور كان من السوريين المنشغلين بالهم السوري والمستقبل السوري، وقد اعتاد بعضنا اللقاء بين وقت وآخر، وبعض آخر كان يلتقي، ويتحاور باستمرار في شؤون سورية مختلفة. وفي الحالات التي دخل على المجموعة آخرون من عرب مثل صديقنا المغترب اللبناني والأستاذ الجامعي في اكسفورد نديم شحادة واسبان منهم السيدة خيمة مارتينيز الأستاذة في جامعة مدريد المستقلة، لم يختلف الأمر كثيراً، فقد كانت موضوعات النقاش ذات طبيعة سورية، أو أنها تتصل بالشأن السوري. ومن هذا المنظور يمكن النظر الى مشاركة عدد من قادة مرحلة التحول الديموقراطي في اسبانيا، وقد كان بينهم نقولا سارتوس، والبيرتو اليرت، وخوسيه ساراغوما، والتي اجتازت اسبانيا من خلالها مرحلة ديكتاتورية جسدها حكم الجنرال فرانكو الى المرحلة الديموقراطية التي تعيشها اسبانيا اليوم، والتي غيرت كل شيء في اسبانيا تقريباً.
وحديث القادة الاسبان كان بمثابة باب يفتح نحو تحولات ديموقراطية في سوريا من شأنها أن تبدل وتغيير حياة السوريين ومصائرهم المستقبلية، وقد يكون من المهم الإشارة الى أن الأمر، في مطلق الأحوال، لم يكن في إطار استنساخ التجربة الاسبانية الماضية في تجربة سورية مستقبلية، بمقدار ما كان محاولة لمقاربة روح وإرادة التغيير والتحول الديموقراطي الاسباني.
وكان بين الأمور التي جعلتني وأنا في توليدو، اشعر وكأني في دمشق، ذلك العبق الإنساني الذي أحاطنا به اثنان من أركان مركز توليدو، وهي إشارة صريحة الى الباحث المعروف جورج عيراني اللبناني الأصل الذي يقدم نفسه مواطناً عولمياً بروحه العربية، وبجملته الشهيرة "كلنا سوريون"، التي كثيراً ما أستعيد وأنا أسمعه يرددها مقولة معروفة، تقول إن كل إنسان يولد في العالم له وطنان، سوريا والوطن الذي ولد فيه، وقد أكمل صديقنا ستيورات رجلث الأميركي الجنسية جوانب من العبق الإنساني الذي أحاطنا بلغته العربية الفصحى، التي تعلم قسماً كبيراً منها خلال فترة تضامنه القوي ضد الاحتلال الإسرائيلي والتي عاشها الى جانب الفلسطينيين في غزة.
وإذا كانت القضايا والأشخاص بما فيهما من حساسية، جعلت من وجودنا في توليدو وكأنه حضور في دمشق، فقد كان للمدينة وطابعها دور مماثل. حيث توليدو، هي طليطلة التي عرفناها في قراءة تاريخ الاندلس، وعرفنا بعضاً من معالمها في الشعر والأدب، والتي ربطها الشعر الاندلسي مع الشام في بيت شديد الشهرة، يقول: "لولا دمشق لما كانت طليطلة ولا زهت ببني العباس بغدان"، وهي روابط حقيقية وملموسة، رغم كل ما مر من انقطاع تاريخي بين مدينتين تفصل بينهما مسافات هائلة، لكنهما قريبتان في الشكل وفي الروح. ففي الجهة المقابلة للفندق الذي كان مسرحاً لنشاطنا ومقراً لإقامتنا، كان ثمة مقهى صغير وجميل، تزين سقفه وجدرانه مقرنصات العمارة الإسلامية وزخافها، وكراسي المقهى، كانت أقرب الى نماذج عرفناها في دمشق من المقاعد الخشبية نصف المرتفعة، بل إن بعض المقاعد، كانت تشبه المقاعد التي يضعها العرب فوق ظهر الجمل ليركبوه. وكله كان في "دار الشاي"، وهو الاسم الذي كان يحمله المقهى الصغير والجميل!
وليس مقهى "دار الشاي" بالمعلم الغريب عن توليدو، بل إنه جزء من التكوين العام للمدينة الذي يشبه تكوين دمشق القديمة بحاراتها الضيقة والملتوية، وبيوتها المتآخية، بأبوابها ونوافذها التي تتدلى أصص الورود من شرفاتها، كما يبدو التشابه في أشكال واجهات وقباب عمائرها الدينية، وتظهر اختلاطات وتمازجات وتداخل الفنون على كثير من المعالم العمرانية للمدينة، وبخاصة فن العمارة الإسلامي. وثمة عمارات ذات دلالة حاسمة في هذا، كما في حال المسجد الذي تحول كنيسة في فترة سابقة من تاريخ توليدو، حيث إضافة الى زخارف ونقوش وأقواس وأسقف تنتسب الى الفن الإسلامي، هناك كتابات باللغة العربية، تعود في أصولها الى فترة الحكم العربي في الاندلس، وفي هذه العمارة ذات الخلفية الدينية المختلطة، ما يذكرنا بدمشق، التي تختلط في عمائرها فنون من مختلف الحضارات، كما في مسجد دمشق الأموي، وهو تعبير عن روح الانفتاح والتآخي الإنساني الذي طالما كان حاجة من أجل الحياة، وهو ضرورة مؤكدة من أجل مستقبل الحياة في عالم اليوم.
ووسط الجمال والدهشة التي أحاطتنا بهما توليدو، كان ثمة مفاجآت بدت متوقعه. ففي أسواق المدينة محال تحمل أسماء عربية، بل بعض الأسماء يخص دمشق مثل محل لبيع التحف الشرقية في السوق المركزي للمدينة، وثمة قطع فنية ذات زخارف شرقية مذهبة تحمل اسم دمشق، وهي من أفضل القطع وأغلاها سعراً، وعليها طلب شديد من السواح وزوار المدينة الذين، وإن سعوا للحصول على تحف وقطع من الخصوصية الاسبانية، ولا سيما المستمدة من رائعة سرفانتس "دون كيخوت"، فإن القطع الشرقية تستوقفهم وتشدهم اليها، وغالباً فإنها تصير من مشترياتهم.
وسكان المدينة قريبون من روحها في تعاملهم مع الآخرين، وقد يعود الأمر في هذا الى أنهم أبناء مدينة صغيرة، وهذه ميزة سكان المدن الصغيرة، وربما يعود السبب الى طبيعة المدينة السياحية، أو للسببين معاً. لكن لا بد من أسباب أخرى، تفسر الألفة الشديدة التي تبدو في سلوكهم وتصرفاتهم، عندما يعرفون أن زوراهم من دمشق، وهي مدينة معروفة على نحو ملف للنظر من الذين تحدثنا اليهم.
كانت دمشق حاضرة في توليدو في الموضوعات، وفي الأشخاص الذين كانوا حولنا، وفي المعالم العمرانية والحضارية المحيطة، كما في روح المدينة وسكانها، التي كثيراً ما شعرت أنهم يشبهوننا حقاً!

المستقبل

متى نخرج من قمقم عبودية النصوص والخطوط الحمر؟

متى نخرج من قمقم عبودية النصوص والخطوط الحمر؟

فلورنس غزلان

خاص – صفحات سورية –

لا يكفي المواطن العربي ما يعترضه من قوانين جائرة وأحكام عفا عليها الزمن ولا تتناسب مع التطور العلمي والحضاري ، الذي تعيشه بقية الشعوب وتتمتع به الأمم الأخرى، بل يسعى بفضل عبوديته وطاعته العمياء التي تعودها وتعودته، إلى إغراق حياته بمزيد من التكبيل والتنكيل ويعمم رأسه ويجلل يومه ظلام دامس محشو بالأهوال والويلات ومطعم بالخزعبلات والاحترامات الزائفة ، بل ومقتنع بأنها الأخلاق الفاضلة والقدرات المبجلة التي تجعل من حياته مجرد نعامة تدب فوق سطح الأرض!، ووصل به حد الارتهان لنصوص اخترعها وعبدها ولا علاقة تربطها بدينه أو دنياه، كما لا تعني البتة أنه ينتمي لأكثر الأمم حضارة وتقديرا وأكبرها عزة وتواصلا، بل تنم هذه الخزعبلات عن محدودية في قدراته الذهنية وعقما في ثقافته الحياتية، وجهلا في معنى الاحترام الحقيقي لمن يستحق الاحترام

ما بدأت حديثي هذا على هذا النحو ، إلا بعد أن اقتلعتني الكثير من العبارات الطنانة والاتهامات الموجهة من هذا الطرف لذاك، بحجة القدسية والتكريم والتبجيل، وكلها لأشخاص مثلنا، ولشخصيات لا فضل لها علينا، ولا زيادة تحملها في خلقها وخلقتها، إلا لكونها تتمركز أو تتموضع بفعل الصدف أو التراتبية ، أو حتى الانتهازية، وربما جاء بعضها بفعل الحظ، وآخر بفعل المقدرة والكفاءة وساعدته فيها الشهرة والإشهار ليصبح في المصاف العليا ، ويتصدر صفحات علام والتلفاز والمحافل، أو يتسلم زمام حكم أو أمر ونهي في هذه البقعة أو تلك من أرضنا المشرقية أو المغربية العربية..إما بفعل الوراثة الملكية أو الجملوكية لا فرق، أو بفعل الديمقراطية الخاصة بالعرب فقط!! ، والتي تمنح حبها وتبجيلها وثقتها للزعيم ليتربع فوق أكتاف جماهيره المحبة والوفية عشرات السنين أو إلى الأبد، حتى تأخذه يد الأقدار..وإن نسيتم أو خانتكم الذاكرة أو كنتم مستجدين على الساحة السياسية العربية، فما عليكم سوى إلقاء نظرة فاحصة على كل من ( مصر الكبيرة وزعيمها حسني مبارك، وليبيا الثرية وزعيمها التاريخي معمر القذافي، وتونس الخضراء ورئيسها المحبوب ابن علي، واليمن السعيد ورئيسها الوحيد علي عبد الله صالح، كلها مجتمعة من الجمهوريات المعدة لتصبح مثل سورية جملوكيات، والبقية الباقية إما امارات عربية مورثة أو ممالك لا حول لأهلها ولا قوة ، لأن الملك يحكم كممثل شرعي إلهي على الأرض...

كل هذه البلاءات العربية ، مقدسة مبجلة، لا يحق لمواطن أن يذكر اسمها إلا ويؤدي الخشوع والطاعة والانحناء لكل ما تأتي به وتقدمه وتفعله وتقوله ، ولا يحق له الاعتراض إن سامته سوء العذاب أو حرمته تنسم الهواء.

لماذا نختلف عن بقية شعوب الأرض بهذه المقدرة على حب الشخصنة؟

لماذا تسعى كل قبيلة منا صغرت أو كبرت لتصنع لنفسها زعيما وتبجله كإله؟

لماذا يغدو الاقتراب من آلهتنا الأرضيين ( حكاما وشيوخا ورؤساء أحزاب وغيرها وغيرها) مقدسين مبجلين، لا يجوز لأحد أن يمسهم بكلمة أو ينتقد ما يقولوه أو يفعلوه، وإن تجرأ بعضهم ومس بحرف هذه المقدسات، طاله الويل وجر عليه ومن حوله المصائب والنكبات، وربما تخفيه أيدي الشر والقتل وتدمره أيدي الخراب والبطش ؟!!

بل يمكن لنقد بسيط وساخر يتناول أحد المشايخ المبجلين، أن يخرج آلاف الجياع للشارع، يهتفون ويهددون ويتوعدون بالموت والعذاب لمن سولت له نفسه التعدي على الشيخ الجليل، ولو استخدم أحد الفنانين موهبته وحسه المرهف ومعايشته لهموم أبناء وطنه، وشاركهم مشاعرهم في افتقاد الحرية، فقلد صوت الزعيم، أو صدح بأغنية ناقدة، أو استخدم عبارات ذاك الزعيم وأقواله في مسرحية من مسرحياته الساخرة، فيعرض بذلك جلالة العفة والإحترام ، المنزهة عن النقد، ويراها مجرد بشر مثلنا تنزل من صومعة التأليه لشارع الأوادم... وتختفي عنها جبة الأنبياء الصالحين والتقاة المعصومين!..

يحدث هذا في بلداننا كل يوم تكتبه صحفنا وتزخر فيه مجلاتنا ويتشدق به مذيعونا ومذيعاتنا، وتنحني له رؤوسنا حتى في مناماتنا.. لكننا لا نخرج بالمقابل للمطالبة بتخفيض أسعار المحروقات، ولا ننزل للشارع من أجل المزيد من الحريات، ولا نطالب بإلغاء قانون الطواريء ولا المحاكم الاستثنائية، فقط ينتابنا الإحراج ويحط علينا الخوف ، ويكبل أيدينا الرعب ويعرقل سيرنا الرهاب، بل ويخفي أصواتنا ويقطع ألسنتنا اسم المخابرات حتى لو اختطفوا آباءنا وفلذات أكبادنا، مفكرينا وكتابنا!.

تخرج جموع غفيرة إلى شوارع بيروت ..من أجل نقد ساخر تعرض لسماحة الشيخ ( نصر الله)، وتطالب القناة التلفزيونية الجريئة بالاعتذار وسحب النقد وتتعرض للتهديد والوعيد هي ومن قدم العمل!!...

يختطف الفنان اليمني( محمد الأضرعي) في ساعة متأخرة ليل الثلاثاء ، ويودع بالسجن، لأنه تجرأ ..وقلد صوت الرئيس( علي عبدالله صالح!!)

تودع عشرات الشخصيات الوطنية المثقفة، من كتاب ومفكرين ورجال مجتمع مدني وصحفيين ورجال قانون وحقوق إنسان، خلف قضبان السجن، يحرموا من حقهم في التعبير عن آرائهم السياسية، وإبداء رأيهم بما يجري على ساحة وطنهم وطرحهم أفكارا تساهم في حل المشاكل العالقة داخليا وخارجيا في سورية...لمجرد أنهم يوقعون على وثيقة ترى فيها السلطات خطاً أحمراً مغايرا لما تخططه وترسمه للبلاد!! لا تريد رأيا ينطق ويصل

للمواطن سوى رأيها السديد!، ولا تسمح بتصريح لا توافق عليه فروعها الأمنية، ولا توافق على إقامة حفل دون أخذ علمها سلفاً...الخ

يحارب الكتاب والروائيين وتسحب قصصهم وكتبهم من الأسواق وتحرم عائلاتهم من الحياة، لمجرد أن البعض يرى فيما يكتبون جرأة أو اختلافا عما يرسموه للمجتمع، يهدد السيد القمني وينسحب من المجابهة فالنظام لا يحمي الكتاب المتنورين!!، ويغتال سمير قصير وجبران تويني، لأن ما يخطه يراعهم يسبب إزعاجا للذوات العليا المتسيدة والمتسلطة على رقابنا، يغادر آخرون كما حصل لحامد أبو زيد، وتوجه كل التهم للترابي لأنه أفتى بالحقيقة، ولجمال البنا لأنه قال صدقا وفسر غير ما يريده حكام الظل والظلام، لكن دوائر الأمن تسمح بنشر كتب وروائع السيد البوطي، وترى فيها نورا وتنويرا!! .

في نفس الوقت ، ومنذ ثمانينات القرن الفائت، يشتهر أعظم مسرحي فرنسي ويحظى بشعبية لا تموت حتى بعد موته( كولوش)، لأنه كان يركز على النقد اللاذع للحكومة يمينها ويسارها، ولا يكتفي بالكلام والتندر والسخرية، بل وصل به الحد إلى ترشيح نفسه للرئاسة، وقال على الملأ مسرحيا، " أتعلمون لماذا أريد أن أصبح رئيساً؟ لأني أريد أن أتبرز في الأليزيه"!!، ولم تتوقف السخرية ولم يتوقف النقد لا فنيا ولا كتابيا ولا بأي وسيلة إعلامية، وكم من النقد الساخر وجه لشيراك وأمامه وكان يواجهها بابتسامة عريضة!، وماذا عن ( الغينيول) والذي يصور كل رجال الحكومة كلعب كرتونية تتحدث ساخرة ويتابعها كافة الفرنسيين! ، لا أريد ولا أحلم أن نصل لهذا... لأنه بعيد حتى عن عقلية وثقافة المواطن العربي ، وعمرها عقود طويلة، وقد أخضع خلالها لتنويم مغناطيسي، لكن ما نحلم به ، هو حراك هذا المواطن المنوم واستيقاظه من سباته وموته الكلينيكي المخيف، وما أخشاه أن نظل عبيدا لما يقوله زعماء الأحزاب من جهة وما يقوله الرؤساء وأولادهم وذريتهم، وما يأمر به رجال الأمن وخطوطهم الحمراء، وتصبح كلها قوانين حياة تتحكم بنا وتأسرنا فنغدو ( غينيول الكرة الأرضية).

باريس في 17/06/2006

الديمقراطية العلمانية

الديمقراطية العلمانية

نضال نعيسة

خاص – صفحات سورية -

من المعلوم تماماً، أن انتشار فكرة الديمقراطية ورواجها في المنطقة، بذاك الشكل الطاغي، واتخاذه إجراءات عملية، قد حصل بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتجلى بشكله الأقوى بالغزو الأمريكي للعراق، الذي تبدلت فيه الذرائع كثيراً، وكان آخرها نشر الديمقراطية. وأما ما قبل ذلك، فقد كان مصطلح الديمقراطية عبارة عن مهدئات، ومسكنات، لتنويم، وتمويت أي حراك سياسي بالوعود المعروفة، وفضلات سياسية ترميها الأنظمة الحاكمة كلما تمادت في غيّها، وانفضح ظلمها، وبدأت تستشعر مؤشرات الغليان الشعبي، لكنها لا تلبث أن تتنكر لهذا الحلم الجماهيري بعد أن تأخذ الحقن المنومة أثرها الفعلي.

غير أن النسر الأمريكي الجريح، والذي أنزلته من عليائه، وأوقظته سباته الطويل، ومن دعمه السادي للفعل الاستبدادي، مشاهد الطائرات المدنية، التي تحولت لصواريخ بازلتية تدك الأبراج التجارية, رمز السطوة الاقتصادية الخارقة، والقوة العسكرية الساحقة لليانكي، بدأ التفكير بتغيي