تجفيف ينابيع الإمتداد الإيراني

2007-01-30

تجفيف ينابيع الإمتداد الإيراني

محمد سيد رصاص

تضمنت سياسة "الإحتواء المزدوج" للعراق وايران، التي اتبعتها إدارة جورج بوش الأب بعد حرب 1991 ثم أعلنتها إدارة بيل كلينتون سياسة رسمية لها، اتجاهاً إلى عدم تغيير البنية الاجتماعية الحاكمة في بغداد منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921. وقد ظهرت ملامح ذلك، بعد استسلام الجيش العراقي في "خيمة صفوان" بأيام قليلة، لما أغمضت الإدارة الأميركية عينيها عن سحق صدام حسين انتفاضة الجنوب، التي اعتبرتها واشنطن امتداداً لايران واتجاهاً إلى تقويض الواقع التقليدي القائم في بغداد، فيما صرح وزير الدفاع الأميركي هارولد براون في آب 1995، عقب انشقاق صهر الرئيس العراقي الفريق حسين كامل ولجوئه إلى عمان، أن الولايات المتحدة تريد "بديلاً من داخل النظام ومن منطقة الوسط".

تغير ذلك مع إدارة بوش الإبن، الذي اتجه، وقبل "11 أيلول"، إلى سياسة التخلي عن"الإحتواء المزدوج" لمصلحة احتواء منفرد لبغداد عبر سياسة "العراق أولاً" التي تحولت، بعد ضرب البرجين، الى اتجاه واضح نحو غزو العراق، وهو ما بانت ملامحه الواضحة في "خطاب حالة الاتحاد" الذي ألقاه الرئيس الأميركي في الشهر الأول من 2002 بعد قليل من"نزهة أفغانستان". كانت الترجمة الفورية لذلك تقارباً ايرانياً – أميركياً علنياً، لم يقتصر على مظهر التلاقي الموضوعي، كما حصل بينهما تجاه كابول "طالبان" في خريف 2001، وإنما امتد إلى تلاقي الإرادات. وهو ما أظهرته صورة وفد المعارضة العراقية، الداخل إلى مبنى الخارجية الأميركية في أوائل آب 2002، بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم، الذي صرحت مصادره بأنه قد أخذ الضوء الأخضر من المرشد خامنئي قبل حصول هذا اللقاء. وهو ما تكرر في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في الشهر الأخير من ذلك العام، والذي حضره السفير خليل زادة، حيث بانت طبيعة التركيبة الحاكمة المقبلة في بغداد من خلال الحاضرين في ذلك المؤتمر، الذي غلبت عليه التركيبة الشيعية – الكردية.

كان يوم 9 نيسان 2003 بداية شهر عسل الزواج الايراني – الأميركي، وقد بانت ملامح ذلك عبر واقعة حصول حلفاء ايران التقليديين على الحصة الكبرى من كعكة "مجلس الحكم العراقي" الذي شكَله الحاكم الأميركي بول برايمر في تموز 2003، بعدما شكلوا الستارة المحلية الرئيسة للغزو، ثم للإحتلال، فيما أعطت طهران تقاربات لافتة حيال الولايات المتحدة مقابل ذلك، كما جرى في شهر الرئاسة الدورية لمجلس الحكم من جانب السيد جلال طالباني، لما اعترفت طهران بمجلس الحكم وأعادت فتح سفارتها في بغداد، الامر الذي ترافق في الشهر نفسه، أي تشرين الثاني 2003، مع اعلان طهران وقف برنامج التخصيب النووي الايراني.

كان قرار السلطة الايرانية استئناف برنامج التخصيب النووي في 8 آب 2005، بعد قليل من انتخاب المتشدد أحمدي نجاد وهو المدعوم من السيد خامنئي، اعلاناً عن حصول الإنشقاق الايراني–الأميركي بمبادرة من طهران. ويبدو أن الايرانيين درسوا ملياً، في حركتهم الهجومية الاستباقية هذه، ما حصل لدمشق التي وُضعت في موقع دفاعي من جانب القطب الواحد الآتي بحضوره المباشر إلى الاقليم منذ يوم 9 نيسان 2003، والذي أراد بعد هذا الحضور إعادة النظر في الأدوار الاقليمية السابقة، وهو ما أدى إلى صدام مباشر مع دمشق، توضحت ملامحه منذ زيارة الوزير باول للعاصمة السورية بعد أسابيع من سقوط بغداد، ثم وضعت عناوينه وأجنداته مع القرار 1559 (2 أيلول 2004).

لم يكن هذا القرار الايراني رد فعل على ما جرى عند شاطىء المتوسط، وإنما تعبيراً عن محصلة قوى رأت طهران أنها أصبحت تمتلكها، عقب أن أزالت الولايات المتحدة أعداء ايران في الشرق والغرب، الذين دفعت طهران مئات الآلاف من جنودها عبثاً لإزالة أحدهم عند حدودها الغربية، وبعد أن تحقق لطهران نفوذ في بلاد الرافدين (عبر مشهد شبيه بالذي عبر عنه كارل ماركس تجاه ما قام به بسمارك من تحقيق للوحدة الألمانية في عام 1871، بعبارة "إنه يقوم بجزء من عملنا"، وهو مايستدعي الإنطباعات الداعية للتأمل حول الفرق بين العقليتين الإنكليزية والأميركية اللتين يمكن تلمس الفرق في استيعابهما للوضع العراقي من خلال مطالعة "اوراق" جيرتروود بيل التي أقنعت لندن بتبني فيصل ملكاً على العراق في صيف 1921 وقراءة مذكرات بول برايمر عن العام الذي قضاه في العراق) النفوذ الذي سعى اليه حكام بلاد فارس خلال الخمسة قرون الفاصلة التي تبدأ مع نشوء الدولة الصفوية (1502)، ليضاف ذلك إلى ما تملكه طهران من أوراق قوة امتدادية في لبنان وفلسطين، حيث أصبحت ايران، عبر قوى محلية فيهما، لاعباً رئيسياً في "الصراع العربي – الاسرائيلي".

ربما، لن يكون هناك الكثير من المغالاة في القول إن هناك بداية تنازع نفوذ بين طهران وواشنطن، على العراق، الآن. حيث يوجد للثانية الجيوش، فيما تملك الأولى الإمتداد السياسي المحلي، ويملك الموالون لها الكتلة البرلمانية الأقوى ومفاصل السلطة والمراكز الكبرى. تعطي المسافة المتزايدة، باطراد منذ أشهر، بين واشنطن والقوى الشيعية العراقية، مؤشرات على ذلك، والتي لاتقتصر على صدامات واحتكاكات مع الصدريين وإنما امتدت إلى حدود حرب كلامية علنية بين بوش والمالكي، فيما توحي استراتجية بوش الجديدة، والتي فيها الكثير من إدارة الظهر لتوصيات تقرير بايكر – هاميلتون، ان ايران في مرمى النظر الأميركي، وان هناك اتجاهاً عند الرئيس بوش لعدم الوصول إلى حلول وسطى مع طهران، بخلاف الفترة الفاصلة بين نيسان والعشرة أيام الأولى من تموز الماضيين بعدما اقترح السيد الحكيم محادثات ايرانية – أميركية حول العراق، وما تزامن مع ذلك من مفاوضات بين سولانا ولاريجاني حول البرنامج النووي الايراني، وصلت إلى الفشل في ذلك التاريخ من شهر تموز الماضي.

هنا، كان حديث الوزيرة رايس عن "معتدلين في مواجهة متشددين" في المنطقة، في أثناء زيارتها لها في بتشرين الأول الماضي، مؤشراً أولياً على الاتجاه نحو تبني هذه الاستراتيجية الجديدة، بما تعنيه من انشاء حلف اقليمي ضد طهران برعاية واشنطن، بكل ما يحويه ذلك من اتجاه أميركي مستعاد لإعادة الاعتماد على العديد من الأنظمة العربية القائمة، وما يعنيه هذا من التخلي عن اتجاه الدمقرطة الذي تبنته الإدارة الأميركية عبر "مشروع الشرق الأوسط الكبير" (13 شباط 2004).

هذا، أيضاً، يترافق مع ملامح أولية عند واشنطن للتخلي عن السياسة التي اتبعتها، منذ تولي بوش الإبن للأمور، بوضع عملية "التسوية" للصراع العربي الاسرائيلي في البراد، ربما للإتجاه نحو محاولة تجفيف ينابيع الامتداد الايراني إلى شرق المتوسط عبر البؤر المتفجرة في هذا الصراع، تمهيداً للمجابهة الكبرى مع طهران خلال السنتين الفاصلتين عن موعد خروج الرئيس الأميركي من مبنى البيت الأبيض.

من الواضح، الآن، أن المنطقة، الممتدة بين أفغانستان وساحل شرق المتوسط، أصبحت ساحة للمجابهة بين القوتين العظميين في الشرق الأوسط الراهن، أي واشنطن وطهران، وان كل القوى، من سلطات وقوى سياسية ، تتحدد مواقعها، بشكل أو بآخر، ضمن هذين المدارين، وأما الموقع الثالث فإما معدوم وإما ضعيف: إلى أين سيقود كل ذلك؟

كاتب سوري

- اللاذقية

النهار

رد إجمالي على ملاحظات عصام شكري

رد إجمالي على ملاحظات عصام شكري على -نداء الى القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي-

سلامة كيلة

كنت انتظرت "طويلاً" إكمال عصام شكري لرده على "نداء إلى القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي"، ولما تأخر قمت بالرد على الجزأين اللذين نشرهما في موقع الحوار المتمدن (وفي جريدة –نحو الاشتراكية- التي يصدرها الحزب الشيوعي العمالي اليساري). ولما كان قد أكمل رده بعد إذ، فقد وجدت أنه من المفيد إبداء بعض الملاحظات التكميلية. حيث أنه لم يضف جديداً فيما جاء به، بل كرّر اللازمة ذاتها، والقائمة على أن الماركسية تعني تحقيق الاشتراكية، وكل من لا يقول غير ذلك فهو "يدعي" الماركسية وليس بماركسي.

وبالتالي فإذا كان امتلاك الحقيقة الماركسية المطلقة هو أهم ميزة للشيوعية التقليدية. التي أتاحت لها إصدار فتاوى التحريم والتحليل. الإخراج من جنة الماركسية أو الإدخال فيها. فإن عصام يكرر السمة ذاتها. لهذا أعتقد أنه التلميذ النجيب لمدرسة الشيوعية التقليدية التي إنبنت على حفظ النصوص وتكرارها، بدل أن ترى الواقع. رغم "اختلافه" في تحديد الهدف عما كانت تطرح. لكنه يطرح "الحد" المقابل (المعاكس) في صيرورة "فكرية" تقوم على جهل الواقع.

فقد كان التعلق بالبرجوازية خطأ فادح، لكن ليس البديل هو الاشتراكية، لأن تحديد ذلك يفترض دراسة الواقع، أي دراسة وضع الطبقات في الواقع المحدد، وليس الإشارة العامة إلى البرجوازية والطبقة العاملة. وسنلمس أن "المجرد النظري" هو الذي يسكن وعي عصام، وليس وعي الواقع. وبالتالي فهو لا يفقه شيء في أواليات الماركسية التي تقوم على "التحليل الملموس للواقع الملموس" وليس على الشعارات. وإذا كنا لا ندعو إلى تحقيق الاشتراكية الآن، فلأن الواقع لا يحمل إمكانية ذلك. لكننا ندعو إلى هزيمة المشروع الرأسمالي، ونعمل على تغيير النظم، وهذا واضح في النداء. لكن الانجراف إلى التأكيد على أننا ندعو إلى الإصلاحية البرجوازية، ونعمل على إنقاذ المشروع البرجوازي، و"إن عدم الدعوة إلى دك أسس النظام الرأسمالي وبناء الاشتراكية بمثابة بديل الطبقة العاملة لحكم وإدارة المجتمع يعني أن التحالف يهدف في الأساس إلى إسداء خدمة للطبقة البرجوازية وإنقاذ برنامجها بشكل عمومي من خلال إصلاحها ديمقراطياً". جعل عصام "يخون" قراءة النداء، ليقول أننا لا ندعو إلى تغيير النظام القائم، ومواجهة الرأسمالية. الخلاف بيننا ليس في هذه المسائل، رغم ميل عصام إلى التوهم بذلك، ويسعى لإقناع ذاته بذلك أيضاً. الخلاف يتمثل في هل أن بديله هو الاشتراكية أم لا؟ لهذا أدعوه للنقاش باستقامة.

وكذلك يشير إلى أننا لا نطرح أهداف إجتماعية. لكن هل تحقيق مطالب العمال والفلاحين الفقراء لا يتضمن مطالب إجتماعية؟ وهل أن تحقيق مشروع هؤلاء يعبر عن إصلاح لسيطرة الطبقة البرجوازية ديمقراطياً؟ ما يطفئ نار عصام هو تكرار كلمة الاشتراكية، بغض النظر عن الواقع وممكناته. أما الإجابة على أسئلة الواقع حين لا يشفي غليل، فيتحوّل إلى إجابة ليست ماركسية. هنا يسود الانفعال وليس العقل. ويسيطر الوهم بدل الحلم.

إننا نقول بأن ميزان القوى الطبقي (النسبة بين الطبقات)، والمهمات المطروحة، لا يجعلان من إمكانية لتحقيق الاشتراكية، رغم أن الصراع الأساسي الآن هو ضد الرأسمالية كنمط عالمي، وكطبقة محلية، وأن المطلوب هو تجاوز الرأسمالية. هل هذا الأمر عصي على الفهم؟ سيكون كذلك لكل الذين يميلون إلى التعلق بالنصوص، وتشكيل "تصور نظري" من خلال قراءة الكتب، لأن الواقع أعقد من كل التصورات. حتى لينين ظل يردد أنه لن "يطبق" الاشتراكية، حينما كان يدعو إلى الثورة، وحتى حينما انتصرت ثورة أكتوبر، لأن الواقع الروسي لم يكن يفرض ذلك نتيجة تخلف البنى، رغم أن الطبقة العاملة هي التي انتصرت. فكيف لنا أن نقفز إلى الاشتراكية ومجتمعاتنا لازالت متخلفة من حيث التطور الاقتصادي (حيث لم تصبح الصناعة هي وسيلة الإنتاج الرئيسية، ولازالت الزراعة متخلفة). هذه ليست حجة، هذه واقع. وواقع أقسى من كل التصورات. ولأنه كذلك فهو ينتج الأصولية و"البربرية"، وكل مظاهر التخلف الفكري التي استشرتْ خلال العقود الماضية. وينتج البطالة والتهميش.

لهذا لا يجب أن يسأل، أين الاشتراكية؟ لقد أكدنا على أننا نعمل على تحقيق مهمات ديمقراطية "في أفق مستقبل إشتراكي". لأن تحقيقها أمر جوهري من أجل تأسيس الأرضية المناسبة لتحقيق الاشتراكية. هل نستطيع تجاهل الهجوم الامبريالي واحتلال العراق؟ والوجود الصهيوني؟ أم أن هذه مسائل يحلها آخرون، مثل الضغط الدولي؟ وهل نستطيع تحقيق الاشتراكية في وطن محتل؟ أو تحقيق الاشتراكية في مجتمع يعاني من نقص التطور الاقتصادي (التصنيع الذي هو أس الرأسمالية، وأساس تبلور المجتمع الجديد الذي يهيئ للانتقال إلى الاشتراكية)؟ ولم يتطور الوعي العام إلى مستوى يسمح بتحقيق الاشتراكية؟

أعرف أن هذه كلها أسئلة خارج منطق التفكير الذي يحكم عصام. لأن نتائج الأخطاء والخطايا التي مارستها الشيوعية التقليدية وهي تتعلق بأذيال البرجوازية، دفعت إلى "السفح" المقابل، أي إلى معاكس البرجوازية، أي الاشتراكية. جعلت الاشتراكية هي الخيار بغض النظر عن الواقع. حيث لا يجب التحالف مع البرجوازية بل إسقاطها عبر الثورة الاشتراكية. وعصام هنا لازال غير ماركسي لأنه لازال ينحكم إلى وعي موروث يقوم على مفهوم الهوية الأرسطي (إما، أو). لهذا يطرح المعاكس المطلق لتصور الشيوعية التقليدية بكل حمية وانفعال. ولا يعرف بأنه لازال يقف على الأرضية ذاتها. لأنه لم يستطع بعد تجاوز الوعي التقليدي (بغض النظر عن الشعارات التي يطرحها). وليمتلك الوعي الماركسي البادئ باستيعاب الجدل المادي الذي لا يطرح الصيرورة كثنائيات، بل يرى تعقيدها. ويبتدئ من وعي الواقع وليس من الشعارات.

المشكلة مع الشيوعية التقليدية لم تكن (إلى حدّ ما) حول المهمات، بل في مَنْ من الطبقات يستطيع تحقيقها. لأن لا اشتراكية دون تحقيق تلك المهمات. ولكن يجب على الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء تحقيقها وليس البرجوازية التي باتت غير معنية بها. هل أن تحقيق هذه المهمات يعني خدمة البرجوازية؟ إنها ليست ملكية برجوازية، حيث أنها تتعلق بتطور الواقع، بالصيرورة. ولا تقدم دون تحقيقها. لكن دور الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء في تحقيقها يجعل هذا التحقيق في مصلحة هؤلاء، خصوصاً وأنه مرتبط بتحقيق مصالحها المباشرة، أي الحياتية( حق العمل، الضمان الاجتماعي، الأجر المناسب....). وهذه الفكرة هي من إبداع لينين، ولازالت صالحة لأن النمط الرأسمالي لازال يقسم العالم إلى "عالمين"، رغم هيمنته العالمية وفي ظلها: الأمم الصناعية، والأمم الزراعية المهمشة. وهذه الأخيرة هي التي تصادم الرأسمالية (بمعزل عن رأسماليتها المتحالفة مع الرأسمال الامبريالي)، لأنها تسعى لتحقيق تطورها. وبالتالي لن يحقق ذلك سوى العمال والفلاحين الفقراء (في إطار تحالف طبقي عريض). هل يعني هذا إنتصار الرأسمالية؟ لا، إن تحقيق المهمات يأتي هنا في سياق مصالح طبقة أخرى هي الطبقة العاملة. لكن تحقيق هذه المهمات لا يعني تحقيق الاشتراكية، وإلا كان يجب أن نحدد معنى الاشتراكية، لأنني ألمس أن التباساً يطال هذا المفهوم. حيث يطرح بشكل مبسط، و"ساذج"، دون ملاحظة طبيعة قوى الإنتاج، ولا وضع الطبقات، ولا الوعي والنظام السياسي.

وهذا ما يظهر في رد عصام، حيث يطرح مسألة خلاص الإنسان من الاستغلال، أو من أجل المساواة وإطلاق الحريات (وهي مسائل تتضمنها المهمات الديمقراطية التي نطرحها، وكذلك العلمانية ومساواة المرأة والمساواة بين المواطنين، التي يطرحها عصام كمهمات اشتراكية)، مقابل الأرض والقومية والوطن والموقف من الامبريالية. إذن، كيف يمكن أن يتحقق خلاص الإنسان من الاستغلال وهو يعيش في وطن محتل؟ هنا تطرح مسائل الأرض والقومية والوطن، نعم. فإذا لم يتحقق استقلال الوطن، وتشكُّله في دولة-أمة، وبالتالي "إنهاء" الشعور القومي عبر تحققه، كيف يمكن إنهاء الاستغلال بمعناه الاقتصادي؟ إن السيطرة والاحتلال يهدفان إلى الاستغلال، وحسب ماركس فإن شعباً يضطهد شعباً آخر لن يكون حراً. وبالتالي كيف يمكن وضع هذه مقابل تلك؟

وإذا كان المطلوب هو إنهاء استغلال الرأسمالية كطبقة، يجب إنهاء سيطرة الدولة الرأسمالية على الأمم الأخرى، لأن هذه السيطرة هي التي تقود إلى الاستغلال والنهب والإفقار والتهميش. أليس للاحتلال أهداف اقتصادية؟ ألا يطال الطبقة العاملة، حيث تصبح القوة المحتلة هي "الطبقة" التي تسيطر، وبالتالي يجب مواجهتها؟ أم أن المسألة تتعلق بالبرجوازية المحلية وتناقضها مع الطبقة العاملة فقط؟ أو بالصراع ضد "الرأسمالية العالمية" دون لمس تجسيداتها الواقعية؟ حيث تعلن هنا الثورة الاشتراكية في فضاء مليء بالكلمات.

على ماذا يقوم هدف تحقيق الاشتراكية؟

يقول عصام، "يثبت الواقع أن ما قاله ماركس وصحّ على تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج (أي تطور الطبقة العاملة كماً ونوعاً من جهة واشتداد بؤسها واستغلالها من قبل البرجوازية من جهة أخرى) في أوروبا الغربية أواسط القرن التاسع عشر، أصبح اليوم يصح على قوى الإنتاج وعلاقاته في كل أنحاء العالم وبلا استثناء، من أمريكا حتى أفريقيا، ومن أوروبا حتى الشرق الأقصى، ومن الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية". كيف ذلك، وقد عملت البرجوازية في أوروبا وأميركا واليابان على تجاوز قانون فائض القيمة الطلق إلى قانون فائض القيمة النسبي، وبالتالي قلصت الاستغلال بدل زيادته، كما قلصت حجم الطبقة العاملة؟ ولاشك في أن تصاعد الاستغلال وقع على الأطراف، لكن حجم الطبقة العاملة ظل ضعيفاً نتيجة عدم ميل البرجوازية (المحلية والعالمية) إلى بناء الصناعة. وبالتالي ظل للفلاحين دور كبير نتيجة حجمهم وتركز الاستغلال تجاههم. لهذا فإن ما أشار إليه ماركس أصبح من الماضي، وهناك وضع جديد يجب لحظه.

يكمل عصام "إستكملت البرجوازية دورة نموها وغزت أركان الأرض ورفعت معها الطبقة العاملة في كل بقاعها". وأنا أوافق على الفقرة الأولى، لكن غزو أركان الأرض لم يؤدِ إلى "رفع" الطبقة العاملة. حيث ظلت محدودة الحجم لأن البرجوازية لم تدمر البنى الريفية القديمة، ولم تسمح بنشوء صناعة تستوعب جيش العمل الاحتياطي. وحين تدمر الريف تشكلت الفئات المهمشة،وتضخمت البطالة.

ليصل إلى نتيجة تتمثل في أن الطبقة العاملة وصلت "إلى مرحلة التطور التقني والعلمي بات معه حل التناقض بينها وبين علاقات الإنتاج المتخلفة والاستغلالية مسألة ملحة ولا تحتمل التأجيل. إن التناقض القائم بين قوى الإنتاج وعلاقاته اليوم يدل على أن الاشتراكية ليست فقط ممكنة بل ضرورية لحل هذا التناقض".

كيف أصبحت فكرة ماركس معممة على كل العالم؟ المشكلة أن التطور خالف ماركس، فلم تبنِ الرأسمالية "عالماً على صورتها ومثالها"، بل بنت عالماً مختلاً، لأنها منعت تطور قوى الإنتاج في معظم أركان الأرض. ولقد حاربت كل الميول لبناء صناعة في الأمم المخلفة. الأمر الذي جعل الإنتاج الصناعي هامشياً. والطبقة العاملة الصناعية قليلة العدد. وإذا كانت الرأسمالية تعمق من استغلال هذه الأمم، فقد عملت على تخفيف استغلال طبقتها العاملة، وقلصت من حجمها. وبالتالي فإذا كان الممكن النظري يشير إلى إمكانية الاشتراكية في الأمم الرأسمالية (أوروبا، أميركا، واليابان) فإن الممكن الواقعي ينفي ذلك. لهذا كانت الحركة الماركسية هنا في أزمة. حيث لم تسعفها تصورات ماركس، ولم تستطع هي التخلص من الموروث الماركسي القديم. فضاعت بين الممكن النظري والاستحالة الواقعية.

هذا واقع تعززه الأرقام، رغم أن التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج واضح إلى حدّ كبير.

في الأمم المخلفة الأمر أسوأ، لأن انتشار العلاقات الرأسمالية لم يُبنَ على نشوء وسائل الإنتاج، بل نتيجة الاندماج بالنمط الرأسمالي العالمي. وبالتالي فإذا كان ذلك يفرض مواجهة الرأسمالية، إلا أنه لا يسمح بتحقيق الاشتراكية، حيث المهمات الما قبل اشتراكية هي الماثلة، كما أن ميزان القوى الطبقي لا يعطي الإمكانية للطبقة العاملة تحقيق ذلك وحدها. من هنا تنشأ مسألة التحالفات وتبرز أهميتها. لهذا فإن تحقيق تلك المهمات يفرض تحالف العمال والفلاحين والفئات الوسطى معاً من أجل تشكيل كتلة قادرة على الانتصار في مواجهة الرأسمالية المحلية والامبريالية ( وهو التعبير الذي يمقته عصام رغم أنه يعبر عن جوهر النمط الرأسمالي كما حدده لينين)، أي رأسمالية المراكز. الطبقة العاملة وحدها غير قادرة على تحقيق شيء، سواء في مواجهة الرأسمالية المحلية، أو في مواجهة الرأسمال العالمي.

وبالتالي فإن هذا التعميم حول الاشتراكية يشكل هروباً من مواجهة استحقاقات الواقع. وهذا الأمر يبدو واضحاً في العراق، حيث أن الدعوة إلى الاشتراكية في وضع الاحتلال يشكل هروباً من مواجهة الاحتلال (كما فعل الحزب الشيوعي، لكن بشكل آخر، أي عبر المشاركة مع الاحتلال)، لأن أول سؤال تطرحه الجماهير هو مواجهة الاحتلال، حيث بات واضحاً أنه المسبب لكل المشكلات اللاحقة، من تدمير للبنى التحتية وفقدان الأمن والبطالة والفقر وإنهيار الاقتصاد ونهب النفط. إن طرد الاحتلال هو الذي يفسح لتأسيس نظام بديل يمثل العمال والفلاحين. هل يمكن حل "معضلات الجماهير" تلك دون طرد الاحتلال؟ وبالتالي أليست مقاومة الاحتلال هي الهدف الأول؟ إننا هنا إزاء هدف التحرر والاستقلال عبر المقاومة. ألم تلحظ الماركسية وضعاً كهذا؟ نعم، وكان موقفها واضحاً، فهي مع المقاومة من أجل التحرر.

الخلاف مع عصام وتيار الشيوعية العمالية التي يمثله واضح. إنه خلاف بين رؤية الواقع وتحديد المهمات التي يطرحها من جهة، والتمسك بشعارات من جهة أخرى. نحن نطرح ما يطابق الواقع، حيث الهجوم الامبريالي الأميركي الصهيوني قائم في الواقع وليس من مخترعات الذهن. وحيث يجب أن تتحقق مهمات أساسية ذات طابع ديمقراطي كخطوة لتحضير المجتمع للانتقال إلى الاشتراكية. منها ما يتعلق بما هو "قومي"، أي تحقيق الاستقلال (بما يعني مواجهة المشروع الامبريالي الصهيوني) والتوحد العربي. ومنها ما يتعلق بتحقيق التطور المحتجز (أي تطوير قوى الإنتاج). ومنها تأسيس نظام ديمقراطي علماني، و.... الخ. وهذا ما يجب أن يتبلور في برنامج التحالف حينما يتحقق. لكن كل ذلك لن يتحقق إلا بقيادة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء. ولا يفيد هنا تطيير الشعارات، و"اللعب" بالألفاظ، واستعارة كلمات فات أوانها. وإذا كان ماركس قد حلل التكوين الرأسمالي، وتوصل إلى ما توصل إليه، يجب علينا نحن أن نحلل واقعنا الراهن لكي نتوصل إلى تحديد ما يطرحه هذا الواقع.

ليس "التشدد اليساري" هو الحل، كما ليست "المرونة اليمينية" هي الحل. وعي الواقع هو الذي يسمح بطرح إجابات سليمة. ولم ألحظ بأن عصام قدّم فهماً للواقع، لا في الرد على النداء، ولا في مقالاته التي ينشرها. إنه مغرم بالشعارات كما الشيوعية العمالية اليسارية التي يمثلها.

أخيراً أود الإشارة إلى أننا أشرنا، في النداء، إلى ضرورة الالتحام بالطبقة العاملة، الأمر الذي أثار حفيظة عصام، حيث إعتبر أننا "خارج" الطبقة العاملة لهذا ندعو كمثقفين إلى "توصيل" اليسار بالطبقة العاملة بدلاً من تنظيم العمال وقيادتهم نحو الاشتراكية. ويبدو أنه لا يعرف بأن المثقفين هم الذي يتبنون الماركسية ، ويحللون الواقع على ضوئها. وبالتالي يعملون على تنظيم العمال وفق تصور يطرحونه. وإذا كان يعتبر بأنه والشيوعية العمالية قد نبعا من الطبقة العاملة، فهو يكمل شعاراته التي حاولنا تناولها في المقالات السابقة. إنه يتجاهل بأن الذين يستوعبون الماركسية هم، في الغالب، من الفئات الوسطى. وأن المطلوب هو اندماج هؤلاء في الطبقة العاملة للتعبير عن مصالحها، وإضافة "الوعي والتنظيم" لها وفق ما أشار لينين. والماركسية عادة ما تبدأ كحلقات صغيرة بعيدة عن الطبقة العاملة، حيث يمكن أن تبقى كذلك وهي ترفع الشعارات الكبيرة، ولكن عليها أن تندمج بالطبقة العاملة لكي تؤسس لقوة إجتماعية فاعلة. وبالتالي حين أشرنا إلى الالتحام بالطبقة كنا نقصد ذلك، لأننا نعرف واقع الحركة الماركسية كلها، ونعرف أنها قليلة التواصل مع الطبقة العاملة.

ثم أن عصام يتعامل مع النداء وكأنه برنامج تحالف تبلور. لهذا يأخذ علينا أننا لم نقدم "بلاتفورم مشخص". وأننا ندعو للتحالف من اجل الجدل والتفكير وليس من أجل العمل. ويبدو أنه قرأ النداء بالمقلوب، حيث أسميناه نداء لأننا نطلق دعوة للحوار من أجل تأسيس تحالف. وبالتالي كيف يمكن أن نبدأ من البرنامج قبل أن يتحقق الحوار؟ العالم تتحاور لكي تتحالف. وما قمنا به هو مبادرة في هذا الاتجاه

الحوار المتمدن

2007 - 1 - 30

كارل ماركس وتاريخ بلدان الشرق

كارل ماركس وتاريخ بلدان الشرق

جهاد فاضل

يعود للفيلسوف الألماني كارل ماركس فضل بلورة مفهومين يتصلان بتاريخنا أولهما مفهوم المستبد الشرقي، وثانيهما مفهوم القبيلة المتوحشة. أما المفهوم الأول فشائع في كتابات كثيرة لماركس عرض فيها لتاريخ بلدان الشرق، ولظاهرة بارزة في هذا التاريخ هي سيادة حاكم مستبد، وبالتالي لفقدان الديمقراطية بوجه عام في هذا التاريخ. أما المفهوم الثاني حول القبيلة المتوحشة فقد ورد في تعليق له علي مذابح وقعت في جبل لبنان في منتصف القرن التاسع عشر، وعلي التحديد بين عامي 1858 و،1860 بين الموارنة والدروز. كان كارل ماركس في تلك الفترة محرراً للشؤون الخارجية في احدي الصحف الألمانية في برلين. فلما قرأ في الأخبار الواردة الي الجريدة وقوع مذابح رهيبة في جبل لبنان وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الطائفتين، أراد التعليق علي تلك المذابح، فقال في مقال له ان وراء تلك المذابح قبيلتين متوحشتين وقد قصد بهما الموارنة والدروز. لم تكن وسائل الإعلام يومها بمثل السرعة والدقة والتغطية الكافية من نوع ما هي عليه اليوم. لذلك لم يكن لماركس وهو بصدد تقديم خلفية لتلك الأحداث معلومات دقيقة عن الدروز والموارنة وكونهما طائفتين دينيتين لا قبيلتين.

وحتي لو كانت لديه مثل هذه المعلومات، فقد استنتج مما نقلته وسائل الإعلام ان تلك المذابح لا يمكن ان تكون نتيجة صراع ديني، بل نتيجة صراع من نوع آخر. ولأن فكرة القبيلة في ذهنه ترتبط بنمط اجتماعي متخلف وبدائي، فقد عزا الي القبيلة وممارساتها أسباب وخلفيات ذاك الصراع الدموي الرهيب، معتبراً أن من شارك فيه هو من صنف القبائل المتوحشة.لا يثير المفهومان اللذان ارساهما ماركس حول تاريخنا قبل اكثر من مئة وخمسين سنة، وهما مفهوما المستبد الشرقي، والقبيلة المتوحشة، نقاشاً كثيراً اليوم. فإذا كانت بعض أقطارنا تنعم بما تيسر من الديمقراطية وتتجه نحو الحكم المدني العصري، فإن الصورة تختلف في اكثر بعضها الآخر. وبصرف النظر عن مسألة المستبد الشرقي وكونه مرتبطاً بتاريخنا وحده أم بتاريخنا وتاريخ بلدان الشرق الأخري وصولاً الي الصين، فإن فكرة القبيلة المتوحشة تكاد تلتصق بنا اكثر مما تلتصق بسوانا، ونكاد ننازع الأفارقة أبوّتها. فأية قراءة باردة لتاريخنا الحديث، تقنعنا بأن هذه الفكرة ما تزال حية تُرزق فما زلنا الي اليوم نقدّم أمثلة لا تُحصي علي حيوية دافقة تُلحقنا، شئنا أم أبينا، بحروب داحس والغبراء.

فإذا كان كارل ماركس قد وصل الي فكرته هذه انطلاقا من احداث وقعت في لبنان في منتصف القرن التاسع عشر، فإن لبنان ما يزال الي اليوم يقدم أمثلة علي صحة ما ذهب إليه ماركس، فهو ينتقل من حرب قبلية الي حرب قبلية أخري رغم سمعته العالية كبلد متصل اتصالا وثيقاً بحركة الحداثة والتقدم. هذا ان لم نقل انه اكثر البلدان العربية اتصالاً بهذه الحركة. ولكنه علي الرغم من ذلك انتج عدة حروب اهلية في تاريخه الحديث بدءاً بمذابح 1860 مروراً بمذابح الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1975 والتي استمرت سبع عشرة سنة. في هذه المذابح الأخيرة لم يقتصر التذابح علي الدروز والموارنة وحدهما، بل شمل سواهما من الطوائف والمذاهب والقبائل. وكان التذابح حقيقياً، ومن الوريد الي الوريد كما يقولون. ولعل عبارة الذبح علي الهوية، او القتل علي الهوية، هي اكثر العبارات المأثورة عن تلك الحرب. وكان أكثر الذين ذبحوا بعضهم بعضا ايديولوجيين موزعين علي أحزاب ترفع شعارات يسارية ووطنية وتقدمية، لا مجرد دهماء أو غوغاء يحملون فؤوساً. وهذا يعني ان المثقفين في طليعة من استخدموا البنادق والقنابل والسكاكين لقتل مواطنين أبرياء لم يكن لهم من ذنب سوي ذهابهم الي عملهم في ذلك اليوم وسوي الانتماء الي دين آخر.

وقد شاهدت بنفسي عشرات الجثث الملقاة في الشوارع أو تحت الجسور في يوم عرف بيوم السبت الأسود. وكان كل يوم من أيام تلك الحرب أسود.ومع انه كان جديراً باللبنانيين بعد كل ما حصل ان يقولوا وداعاً للحرب أو للحروب علي أنواعها، إلا ان من يستمع الي اخبار لبنان اليوم ويدقق في ما يحصل في ربوعه، يجد ان انتاج حرب أهلية لبنانية جديدة ليس مجرد افتراض. فهو امكانية قابلة للتحقق رغم تأكيد كل الفرقاء ان الحروب الأهلية مذهبية او غير مذهبية، خط احمر. ذلك ان وراء هؤلاء الفرقاء المحليين مراجع أجنبية هي التي تقرر لا هم. فهم مجرد دمي تحركها قوي ومصالح خارجية لا أكثر ولا أقل.علي أن من التعسف التركيز علي لبنان وحده في موضوع الحروب الأهلية، ونسيان أشقاء كُثر له أبلوا بلاء عظيماً في انتاجها، فبالاضافة الي اللبننة هناك العرقنة نسبة الي العراق، وهناك الصوملة نسبة الي الصومال، وهناك الجزأرة نسبة الي الجزائر، وهناك اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، وهناك السودنة نسبة الي السودان وحروبها الحديثة التي تُعتبر من أطول الحروب الأهلية العربية عمراً.

واذا كانت قبائل الجنجويد هي كل ما بقي في ذهن العالم الخارجي من تلك الحروب، فإن الجنجويد لم يكونوا سوي أبطال اللقطة الأخيرة في فيلم طويل. فقبلهم كان هناك ما لا يُحصي من الجنجويد.في كل مكان من ديارنا العربية كان هناك، ومن الممكن ان يكون، جنجويد. دكّت الجنجويد مرة - وكان ذلك في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي - مدينة كاملة بالمدفعية أسفرت عن مصرع ثلاثين ألف نسمة من سكانها. صعد الجنجويد الي تلال تُشرف علي المدينة وتناوبوا علي قصفها ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع انسحبوا وكأن شيئاً لم يكن.وانتقل الجنجويد بعد ذلك الي حلبجة ومدن عراقية أخري في الشمال والجنوب وأمعنوا فيها تأديباً. قُتل في الحرب العراقية الايرانية ما لا يقل عن مليون نسمة. في قاعدة نصب الجندي المجهول العالية ببغداد سمعتُ يوما ان ثلاثمائة ألف اسم قد حفرت في ذلك المكان تخليداً لذكري أصحابها الذين قتلوا في الحرب، وهي حرب قبلية بدائية محضة ما ان انتهي منها من أشعلها حتي وثب علي بلد عربي صغير بجانبه واغتصبه.

وتتناسل الحروب في البلد العربي الواحد، ويطول عمرها احيانا لدرجة امكانية تسجيلها في باب الحروب المنسية. فمن يتذكر مثلاً ان حرب البوليساريو والمغرب ما تزال مشتعلة بشكل او بآخر الي اليوم رغم كل المطافيء التي استخدمت لإطفائها؟ ومن يتصور ان حروب القبائل في الجزائر قابلة لأن يوضع لها حد يوماً؟ وأي مركز أبحاث ودراسات يمكن ان يحيط بحروب السودان الحديثة منذ صعود جون غارنغ مروراً بعدة مناطق أخري في السودان وصولاً الي دارفور الحزينة وما جري، وما يجري فيها الي اليوم؟وإن ننسي لا ننسي فلسطين الأشد حزناً من دارفور بما لا يُحصي ولا يُقاس، وما جري ويجري فيها اليوم من حروب ليس بين الفلسطينيين واليهود، بل بين الفلسطينيين والفلسطينيين. ولا شك ان ما يجري بين الفلسطينيين اليوم لا يختلف كثيراً عما يجري في لبنان. فإذا كان المرجع الخارجي هو سبب نكبة اللبنانيين ووصولهم الي تخوم الحرب الأهلية، فهذا المرجع الخارجي عينه هو سبب نكبة الفلسطينيين ووصولهم الي تخوم الحرب الأهلية. ليس المرجع الخارجي جمعية خيرية توزع المعونات المالية وغير المالية ذات اليمين وذات اليسار بلا حساب، وإنما هو مرجع فظ غليظ القلب عليك ان تنفذ أوامر عملياته بلا نقاش وإلا دفعت الثمن. والثمن انت تعرفه بالطبع.علي ان الثمن الباهظ لكل هذه الحروب لا يدفعها المرجع الأجنبي وحده، وإنما يدفعها قبله المواطن العادي البسيط من قوته ومن يومه ومن غده.

فلا أحد دفع ثمن هذه الحروب اكثر مما دفعه المواطن العادي الذي كان من المفترض ان لا يكون حاله أقل من حال المواطن الصيني او الياباني وحتي الأوروبي. تمشي الصين قدماً في الوقت الراهن نحو ان تصبح بلداً لا يقل ازدهاراً عن الولايات المتحدة. ولكن الصين لم تبدأ رحلتها نحو الحضارة الحديثة إلا منذ 55 سنة لا أكثر ولا أقل، أي منذ الاستقلال الذي حصلت عليه الدول العربية في الوقت نفسه تقريباً.ويمكن ان يقال الشيء نفسه تقريباً عن النمور الآسيوية التي لم تبدأ رحلتها نحو الحضارة الحديثة إلا منذ 30 سنة لا أكثر. اما اليابان فقد بدأت هذه الرحلة في الوقت الذي تسلم محمد علي باشا الحكم في مصر. ولكن أين مصر من اليابان؟ وأين اكثر الدول العربية من ماليزيا وتايوان وسنغافورة والهند وفيتنام، وكلها دول من المتوقع بعد عشر سنوات ان تسجل قفزات هائلة تجعلها في صدارة المشهد الحضاري العالمي؟يوغل العالم الخارجي في الحداثة ونوغل نحن في القدامة والماضوية والخرافية.

ينتقل العالم من معركة حضارية الي معركة حضارية اخري، وننتقل نحن من حرب أهلية الي حرب أهلية أخري. والحرب الأهلية التي لم تنشب بعد في هذه البقعة من بلادنا، يمكن ان تنشب في يوم قريب آتٍ بلا شك. فالمسألة مسألة وقت واستعداد لم يكتمل بعد، ومسألة ظروف لم تنضج بما فيه الكفاية، ولكن الأمل قوي باكتمال الاستعداد ونضج الظروف في زمن مهما بعد، آتٍ لا ريب فيه. وفي غمار كل ذلك ضاع ما سميناه في تاريخنا الحديث بعصر النهضة، او بفكر النهضة، وضاعت معه كل الأحلام والطموحات الوطنية والقومية التي جالت في عقول وقلوب نُخب عربية بلا حصر عملت لقيام دولة عربية ناهضة ومتطورة وملتحقة بالعصر. فإذا بأنظمة الاستبداد والدكتاتورية تقضي علي كل شيء. ولولا بعض المناطق العربية التي تعمل بلا هوادة لردم الهوة بيننا وبين العصر لأمكن القول ان المشهد العربي الحالي يبعث علي التشاؤم اكثر مما يبعث علي التفاؤل. وأن الحاضر علي سوئه أفضل من الغد الذي يليه.لكأن كارل ماركس في تحليلاته عنا يلمّح الي جينات مبثوثة في جبلتنا تعيق انسانيتنا كما تعيق نهضتنا، وتدفع بنا وبلا وعي نحو ممارسات ليس لها محل في هذا الزمان. وعلي تحليلات ماركس هذه ينبغي ان ينصب جهد الباحثين والمؤرخين والعلماء الاجتماعيين في آن لأن أول المعرفة هي معرفة الذات ولأن اول النقد هو نقد الذات أيضاً.

2007 الثلائاء 30 يناير

الراية القطرية

حوارت إلكترونية عربية(2) مع الكاتب والفنان السوري بشار العيسى

حوارت إلكترونية عربية(2) مع الكاتب والفنان السوري بشار العيسى

محمد الصدوقي

حوارت إلكترونية عربية(2) مع الكاتب والفنان السوري بشار العيسى

من ألوان غربية الإشراقات ، ومن أحلام شرقية الشرفات، يأتينا فنانا وكاتبا من عيار الضوء الساطع ، ليحل علينا ضيفا عزيزا..

بكل ألوان الطيف نرحب بالفنان والكاتب السوري الأخ بشار العيسى، ونرجو أن ننير معه بعض العتمات من وجودنا العربي ، ونلون ظلاله المحترقة والمهمشة بألوان الفكر والإبداع الصادق...

*ماهو تقييمك وتشخيصك للحركة التشكيلية العربية؟وهل يمكن الحديث عن خصوصية تشكيلية عربية بالمقارنة مع المدارس التشكيلية العالمية؟

- يحق لنا مجازا ـ بغير كبير دقة ـ استخدام تعبير الحركة التشكيلية العربية إذا أردنا الحديث عن ما ينتج من فن تشكيلي في البلاد العربية.

أما الحديث عن خصوصية تشكيلية عربية بالتخصيص كأن نقول الانطباعية الفرنسية أو التعبيرية الألمانية سيكون فيه نوع من الاستسهال في تحديد هذه الخصوصية.

إجمالا، فن لوحة الحامل، حديثة العهد بالمجتمعات العربية وأغلب المحترفات العربية الخاصة أو المدرسية- الأكاديمية تكونت في حاضناتها الأوربية وتعود الى فترة الحرب الكونية الأولى، وما تلاها من تداخل البلاد والحضور الاستعماري بهذا الشكل أو ذاك. لذا أخذت كل حركة تشكيلية في بلد عربي ما خصوصية تاثرها بالحاضنة الأوربية لها فبلدان الشمال الأفريقي تأثرت بالدرجة الأولى وتداخلت مع التجارب الفنية الفرنسية ويطيب لي أجمالا، عوضا عن الحديث عن خصوصيات حركة تشكيلية وطنية او قومية الحديث عن تجارب تتشكل في مناخ محلي زائد غنى يتأتى بالتفاعل بصريا وتجارب أخرى وتراكم خبرات أكاديمية قريبة او بعيدة.

لذا يمكننا القول بهذا المستوى حضورا ما للمدارس العالمية في تجارب ولوحات فنية وفناني البلاد العربية وتختلف من بلد لآخر حسب شدة وحجم حضور هذه المدارس من بلد لآخر ومن تجربة لأخرى دون أن نغيب بالقسر الإرث البصري المحلي للجغرافيا وللثقافات التي تتشكل منها هذه البلاد ومجتمعاتها إذ من الطبيعي أن تختلف لوحة فنان المدينة عن تلك التي لفنان الريف والجبل عن تلك التي تنتجها الشواطىء حسب التأثيرات البصرية للفضاءات التي تساهم في صياغة المشهد تشكيليا.

منذ منتصف الستينات حضرت بشخصية واضحة التجربة التشكيلية العراقية كما يمكننا تلمس المناخ المصري في لوحات وتجارب مصرية واضحة الملامح الملحية في غيرها شخصيا لا أرى سوى تجارب مستقلة لها حضورها الخاص ونكهتها المحلية ومشهديتها الجغرافية وربما كان لتميزهما ارتباطهما بحاضنة إيطالية وبولونية وإنكليزية أكثر من غيرها الفرنسية كما الحال السورية اللبنانية والشمال أفريقية .

لكن اجتهادات بعص المرجعيات العربية التي تشكلت بتأثير الفورة النفطية ومناخات العولمة التي تحاول ان تستوعب وتستولد لوحة متصالحة مع العالمية ما بعد الاستقطاب اللعقائدي هي لوحة لم يعد من السهل القبض على لون بشرتها سواء تلك الحروفية البلاستيكية أو التجريدية الناسخة عن سقك بعض المحترفات وصالات العرض سريعة الاستهلاك.

* بحكم اهتماماتكم التاريخية والسياسية الثقافية، هل العقل العربي(وخصوصا العقل السياسي) هو عقل تاريخاني؟

و ماهو استشرافك لتوجه حركة التاريخ السياسي للأمة العربية على المدى المتوسط والبعيد؟

للأسف لم يثبت العقل السياسي العربي خلال مرحلة النضال الوطني وما بعده أنه عقل يرقى الى المحاكمة العقلانية، أولا، ولإشكالية علاقته بالتاريخ كعلم مستفل عن رغباتنا لجهة درسه وتعلمه من جهة أخرى فالنتائج التي أفرزتها والمآلات التي أودت اليه بمجتمعاتها يدل بقوة على أن العقل السياسي العربي يفتقد المحاكمة وأخذ العبرة بالدراسة النقدية فهو عقل انفعالي يقوم على ردات الفعل وهيجانات طوباوية تستولد الحلم واقعا و هو عقل حرود فهو، إما رافضي بالمطلق أوقابل بالمطلق والعالم ينقسم فيه الى فئتين واحدة ناجية وأخرى مارقة والآخر أما عبد أو خصم فهو عقل لا يقبل بالمصالح والتسويات.والعقل السياسي العربي تكون على كتاب التاريخ المدرسي وهو كتاب مزور لصالح الحاكم في كل الأزمان، يجانب الحقيقة بالتزوير، بالتالي ليس بمقدوره أن يصبح عقلا ناقدا بالعلم وهو يفتقد فسحة الحرية والحياد اذ بدون نقد تاريخي لا تقوم رؤية حقائق الحياة وتطورها، وبدون التاريخ لا يمكن فهم السياسة كعلم يدخل في فلسفة الحدث المستقل عن مشاعرنا ولا يمكن استيعاب سيرورة تكون و خصوصية المجتمعات المعقدة.

لن أجانب الحقيقة إذا قلت أن الأجيال العربية القادمة والمجتمعات ستدفع غاليا ثمن أخطاء واوهام القرن الماضي االذي أستنفذته النخب السياسية في ملهاة التجريب والأحلام والمعارك الوهمية ليوم وصلنا فيه إلى زمن استحقاقات لا تملك النخب الشجاعة على رؤية أو سماع الهدير القادم لطوفان مدمر والمجتمعات تفتقد حتى قدرة الممانعة والتحصن.

أن جلُ المجتمعات العربية التي استعلبت في صيغة الدعاوى الاشتراكية واليسار من الجزائر الى ليبيا الى مصر والسودان الى سوريا و العراق واليمن هي أكثر المجتمعات إعاقة واستبدادية، بحكم بالفساد وإثراء الحكام والأشد وإفقارا للشعب والأكثر ملكية بضم الميم وسكون اللام من تلك الملكية.

تنام المجتمعات العربية، بخطابها القومي غير العقلاني، خارج التاريخ،على انشراخات طائفية وإقليمية ومناطقية أسوأ من أشد فترات الظلامية الاستعمارية فهي تعيش مناخات القرن السادس عشر: الحروب الطائفية المذهبية في غياب مطلق لأبسط مقومات المدنية الحديثة من قيم ومفاعيل الديمقراطية التي تحقق مشاركة مجتمعية ما، على العكس أنها مجتمعات ذاهبة إلى حروب العائلات والأسر الحاكمة.

* حوار محمد الصدوقي(عن" ضيف تحت المجهر" منتديات سحر الشرق)

********************************

* التعريف بالمحاور(بشار العيسى)

فنان تشكيلي يقيم ويعمل في فرنسا ــ يعرض منذ العام 1972.

ــ مواليد 1950 غنامية .سوريا ـ يحمل اجازة في التاريخ ـ متخصص في التاريخ العثماني.

ــ عمل في ادارة تحرير مجلة المنبر الصادرة من باريس ـ الثقافية السياسية مابين عامي 1987 ـ و 1992 .

ــ كتب ويكتب في السياسة والبحث التاريخي والنقد الفني التشكيلي.

ــ نشر عن أعماله الفنية كتابان بالفرنسية: ـ بشار: طريق الحرير. عن سوسيتيه جنرال ـ باريس.

ـ بشار: الفضاءات المحترقة. عن غاليري غي كريتيه ـ باريس .

الحوار المتمدن - العدد: 1811 - 2007 - 1 - 30

الكوكبُ والشّهاب: أمّ كلثوم في حكايَة كرديّة

الكوكبُ والشّهاب: أمّ كلثوم في حكايَة كرديّة

دلور ميقري

1

الجيلُ الأقدم، المنتمي إليه أجدادي الأوائل، قد نازلته مسألة اللغة المزدوجة. وإذاً، كان على أسلافنا أولئك ـ كأكراد دمشقيين، الإنكفاء إلى ذواتهم ومشاغلهم، متخاطبين فيما بينهم بلغة جبلهم الأول، راطنين أحياناً بالعربية والتركية، حينما يكون ذلك في مناسبة لا مناص منها. وكم سعدتُ مرة، حينما كنت أتحرى من أمي بعض شؤون زمنها، أن أعلمَ بتعشق والدها لصوت أم كلثوم. هذا الجدّ، المتوفي قبيل ولادتي ببضعة أشهر، كان وجيهاً موسراً، كريماً جواداً؛ إلا أنه بدد ثروته وأملاكه كلها في المغامرات التجارية، والغرامية. لا أدري، ما إذا كان جدّي في محنته تلك، الأخيرة، التي أنهى بها حياته عليلاً متوحداً مفلساً، قد واصلَ الإنصات إلى معبودته، الكلثومية،.. وما إذا كان ثمة، في حجرة منزله الرث، المتبقي له من عقاراته العديدة، المبددة، قد إستعادَ ذكرى سهرة الخميس من أول كل شهر، حينما كانت الإذاعة المصرية تحافظ على تقليدٍ تليد، متمثل في تقديم أغنية جديدة لكوكب الشرق: هناك، أينَ كان الكوكبُ يتألق بصوته في سماء المنزل الأول، الفاره، للجدّ الساهر مع ندماء الكأس وخلانه، والمتمايلون جمعاً على أصدائه ونغماته المرافقة. من جهته، وفي مناسبة اخرى، أقدم عهداً، سردَ لي والدي بعضَ ذكرياته عن معلمه وصديقه، الأمير جلادت بدرخان؛ رائد النهضة الكردية في النصف الأول من القرن المنصرم. حيث فجأني الوالد وقتها بتعلق هذا البك الكرديّ، المنفيّ، بفن سيدة الغناء العربيّ وحرصه في حياته على الجلوس إلى المذياع، في حضرة حفلاتها. تلك المعلومة، عن ولع الأمير جلادت بصوت أم كلثوم، الخالد، كنت قد نقلتها بدوري للصديق محمد اوزون، ( الكاتب المنحدر من كردستان تركية )، ومن قام بعدئذٍ بتسجيلها في روايته " بئر القدَر "، المستعيد فيها سيرة أميرنا ذاك.

أم كلثوم

في هذا المقام، يتعيّن عليّ ذكر حقيقة متواشجة بموضوعنا، وهيَ أنه كان للكرد أيضاً " أم كلثومهم ": إنها المطربة عيشة شان، ذات الصوت الساحر، الأخاذ، والتي تعيّن عليها كذلكَ قضاء أكثر عمرها في المنفى. ومن بغداد قاسم، أينَ إستقرتْ مطربتنا الجميلة إثر ثورة 1958، إلى قاهرة ناصر بعدئذٍ مباشرة ً، حيث سجلت مقطوعات بصوتها للإذاعة المصرية / القسم الكرديّ، وكانت برفقة أحد عمالقة الطرب من كردستان العراق؛ حسن الجزراوي: عن هذا الأخير، ثمة حكاية طريفة، شائعة بين الكرد، تزعم أنه حينما تحتم عليه في القاهرة تسجيل أغنيته " كافوكم ليلي "، الكلاسيكية، الأكثر شعبية حتى في يومنا الحاضر، فإنّ مطربات مصريات، مرموقات ـ مثل شادية وفايزة أحمد وغيرهما ـ إقترحنَ عليه المساعدة في أدائها كـ ( كوْرَس )! وعلى كل حال، فمما لاشك فيه أن أغنية مطربنا تلك، مؤداة برفقة كادر نسائي من الإذاعة المصرية، كما يتبينه المرءُ من أصواتهن الراطنة بكرديّة عَسِرَة.

2

وها أنذا ثمة، في كردستان العراق، أخيراً. في موطن الجبال الحالقة، العصيّة، المحتبية أصواتَ الطرب الأصيل تلك، التي إحتفيتُ بذكر بعضها آنفاً. في موطن " الأنفال " هذا، كنتُ أتوقعُ إنعدام أيّ أثر للغة الضاد، ثقافياً كان أم إجتماعياً، بعد كل ماعاناه الكردُ من آثار الحكم الصدّامي، العروبيّ، الوخيمة. ومما كان يعزز ذاك " اليقين " لديّ، هوَ دأبُ بعض الفضائيات الخليجية وغيرها، المُغرض، على إبراز حقيقة إنحسار ـ أو حتى إنعدام إستعمال اللغة العربية في الإقليم العراقي، الكردي. في فندق " برج أربيل "، المحروس بهَولة " القلعة "، الهائلة، غفوتُ ليلتي الأولى على وسادة ذلك اليقين، لأستيقظ صباحاً على كونه وهماً، لا أكثر: فمنذ وجبة الإفطار، السخية، وشهيتي مقبلة على الأصناف المقدّمة، بفعل الأنغام العربية الصادحة من إستيريو صالة الطعام، الكبرى؛ أنغام عراقية ولبنانية وسورية ومصرية، وخليجية أيضاً. كان مريدو الفندق، وضيوفه، خليطاً من شتى الأقاليم العراقية، إضافة لآخرين من الدول العربية؛ ثمة كانوا جميعاً على المزاج الطيب نفسه، الرائق، في أحاديثهم وضحكاتهم ومهاتفاتهم. الأمر نفسه، لحظته لدى ركوبنا سيارة الأجرة، وخلال جولتنا على الأسواق القديمة ( البازار ) أو المستحدثة وفيها محلات التسجيل والإلكترونيات، حيث صور نجوم الطرب، العربي والتركي والكردي والآشوري، متجاورة على هذا الجدار أو هذه الواجهة. وأم كلثوم، كانت هناك أيضاً، في كل من تلك الأمكنة التي ساقنا تجوالنا عبرها. مساءً، لدى إيابنا للنزل، إنداح صوتُ كوكب الشرق من مسجّل لأحد الباعة على الرصيف المقابل لسيرنا؛ وكانت أنشودة " رباعيات الخيّام "، الملحمية الأداء والعبارة والنغم. في اليوم الذي تلا ذلك مباشرة، كنت على موعد مع حكاية اخرى، عن أم كلثوم. ففي " قصر الفن "، بعاصمة الإقليم أربيل ( هولير، بلفظها المحلي )، كان من غريب الإتفاق حقاً، أن ألتقي يومذاك مع الكاتب جلال خضر حسين، صاحب كتاب " سيرة حياة شهاب هوليري ( 1891 ـ 1939 ) " ـ الصادر بالكردية / الصورانية، في طبعة خاصة عام 2002: كان هذا كتاباً عن الشهاب، الكرديّ، الذي قدّر له أن يتلاقى، في سماء الإبداع، بكوكب الشرق، العربيّ.

3

في بغداد عام 1932، ( كما راحَ يروي المؤلفُ لي، نقلاً عن كتابه )، جرى إستقبالٌ حافل لأم كلثوم، شعبيّ ورسميّ؛ هيَ التي كانت حاضرة للغناء في إحدى صالاتها بدعوة من وزارة الإرشاد العراقية. ثمة في أربيل، كان الحضورُ الكلثوميّ، الطاريء، سبباً في تأليب مزاج أكبر وجهاء المدينة؛ المدعو " ملا أفندي ". هذا الوجيه المرموق، بلغ من أهميته الإعتبارية ـ كعالم متصوّف، أنّ الملك فيصل الأول، بنفسه، سبق له أن شرفه بزيارة دارته المنيفة. وإذاً، فالمشكلة تلك كان سببها أنّ طلباً علياً، من البلاط، وصل للوجيه المذكور بإرسال مطربه، المفضل، إلى العاصمة كيما يكون أحد الفنانين المستقبلين لسيّدة الغناء العربي. مطربنا الكرديّ، كما سيحدس القاريء، ما كان سوى " الشهاب الهوليري "؛ هذا الطاغي إسمه وقتئذٍ على جميع الأسماء الفنية، في تلك البلاد الجبلية. ورفضَ الوجيه قطعياً، رغم إلحاح المسؤولين، إطلاق سراح بلبله، الشجيّ الصوت، ولو لليلة واحدة حسب: كان في خلده، يتوجّس من أن يفقد الشهابَ أبداً، فيما لو داعبتْ هذا خيالاتُ العاصمة ومغرياتها. ولكن إلى النهاية، تنازل وجيهنا عن عناده، الكرديّ، مشترطاً على نديمه قسَماً، معظماً، بالعودة إلى أربيل حالما تنتهي ليلة الطرب البغدادية. ولكي يكون أكثر إطمئناناً، أمَرَ ملا أفندي رجليْن، عتييْن، من حراسه بمرافقة الشهاب في رحلته ذهاباً إياباً! وإلى العاصمة، إذاً. إلى منتزه " الهلال "، البغدادي، الكائن زمنئذٍ في محلة الميدان بشارع الرشيد، حيث كانت أم كلثوم هناك على المسرح، بكل جلالها وأناقتها، فضلاً عن شخصيتها، المفعمة معاً بالقوة والثقة والرقة. فما لبثت الأنغامُ أن تصاعدت، وراحت مطربتنا تؤدي دوراً من المقام، يقول مطلعه:

" أكذبُ نفسي عنكَ في كل ما أرى

وأسْمِعُ أذني منك ما ليسَ تسمعُ

فلا كبدي لكَ تبلى ولا لك الرحمة

ولا عنك إقصارٌ ولا فيك مطمعُ "

كان الشهابُ ثمة في مقعده، على الصف الأمامي، منصتاً للدور بكل كيانه. فما أن إختتمت أم كلثوم وصلتها تلك، وكانت بسبيلها للإخلاد لبرهة راحة، وإذ يأتيها على حين فجأةٍ صوتٌ خافت، شجن، راحَ يصّاعدُ رويداً مردداً المقطع نفسه، الذي إنتهت هيَ للتو من إنشاده: كان هذا صوتُ شهابنا، الأربيليّ، المُصدي مسحوراً كلماتِ ذلك الدور، الكلثوميّ. إثر الإنتهاء من حفلتها، أرادت كوكبُ الشرق التعرّف بهذا الرجل الموهوب، الجريء. فتولى التعريفَ الفنانُ العراقي علي فليح؛ الذي قدّم لها الرجلَ قائلاً: " الشهاب الهوليري، أكبر ملحني ومطربي المقام ". في تلك الليلة البغدادية، المشهودة، وبطلب من الضيفة الكبيرة، غنى فناننا الأربيليّ مقامات عراقية، صعبة؛ من قبيل الـ " راست ". ومن ثمّ إنتقل إلى مقامات اخرى على التوالي ـ كإبراهيمي وحكيمي وناري واوج وخناباد ـ وكأنما لكي يبهرَ سيّدة الطرب العربي بمقدرته الصوتية ومراتبها. ثمّ ما عتمَ الشهابُ أن عادَ إلى المقام الأول، الراست، منشداً دوراً موشىً بكلمات المتنبي، العظيم:

" كم قتيل كما قتلتِ شهيد

لبياض الطلا وورد الخدودِ

وعيونُ المَهى ولا كعيون

فتكتْ بالمتيّم المعمودِ "

يتضرج إذاكَ وجهُ أم كلثوم تأثراً، كما روى شهود اللقاء، ولا تتمالك هيَ إلا أن تهتف بلهجتها المصرية، المحببة: " إيه ده، ده شيء عظيم! ". وبلغ إحتفائها بالشهاب، أنها نادته بتواضع وإلفة: " أستاذي "، ملحة عليه في مرافقتها إلى القاهرة، ضامنة له أن يُصبحَ ملحنها الخاص. ولكنّ فناننا الكرديّ، بخلقه السويّ النبيل، يعتذر عن تلبية طلبها، بسبب القسَم الذي قطعه لراعيه، ملا أفندي، بالعودة إليه في أربيل. هكذا خسرَ الإبداعُ فناناً أصيلاً، بشخص الشهاب الهوليري، كان من الممكن أن يُضافرَ عبقرية أم كلثوم بألحانه وثقافته، المتنوعة؛ هوَ الذي كان ينشد المقامات بالكردية والعربية والتركية والفارسية، على المستوى نفسه من التمكن والجودة وحسن الأداء. لكأنما إسم فناننا قد تقمّص مصيره، وعمره المنقضي مبكراً في سنّ الثامنة والأربعين: كان كالنجم الشهاب، المندلع في حياته مضيئاً متوهجاً، والمتهاوي من ثمّ، سريعاً، مخترقاً عتمة الأبدية.

متاهة اللعبة الأمريكية في المنطقة

متاهة اللعبة الأمريكية في المنطقة

بشير البكر

تساءل ديبلوماسي غربي على هامش “مؤتمر باريس 3”: ما الذي يوحد الولايات المتحدة وفرنسا، من حول لبنان اليوم إلى هذا الحد؟ الجواب بالطبع ليس فقط القرار ،1559 الذي شكل نقطة لقاء دبلوماسية بين البلدين، بعد الافتراق من حول الحرب على العراق. فهناك ما هو جديد وراهن. ويرى الديبلوماسي الغربي ان الروحية التي دفعت الإدارة الأمريكية للتفاهم سنة 2004 من حول القرار 1559 الخاص بلبنان، انطلاقا من العراق، تعيد انتاج نفسها اليوم من حول إيران.

لايحتاج المرء إلى براهين كثيرة للتأكيد على ان العراق مايزال يقسم الطرفين، لكن الخوف من إيران يوحدهما، رغم الاختلاف في بعض زوايا النظر.

ليس مصادفة ان تكون وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، في الصف الاول لجبهة الحرب على محور “مؤتمر باريس 3”. إن المراقب لحركة الوزيرة طيلة يوم المؤتمر يخرج بانطباع وحيد لاغيره، وهو ان الولايات المتحدة شريك اساسي في هذا الحدث، ليس فقط بتقديم التبرع المالي السخي، بل بالسياسة قبل كل شيء. هي شريك في الترتيبات والنتائج، ولم تكن مجرد دولة مانحة، وإلا لما كانت رايس تحتل مقعدا على المنصة، التي اعلنت من عليها الحصيلة النهائية للمؤتمر، إلى جانب فرنسا ولبنان والاتحاد الأوروبي والامم المتحدة والسعودية. لو لم يكن المؤتمر يعني واشنطن من الألف إلى الياء، لما بدأت الوزيرة يومها باجتماع مع رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة قبل افتتاح اعمال المؤتمر، واختتمته بالشهادة على النتائج.

في هذا الجو لايعفي المراقب نفسه من طرح سؤال جوهري:من الذي يقف وراء غياب إيران وسوريا عن المؤتمر، وما السبب الفعلي، هل هو المال أم السياسة؟.

لم تغب سوريا وإيران كما يعتقد البعض لأن باريس لم توجه إليهما الدعوة فقط. بل لأن توجيه الدعوة في حد ذاته هو العقدة الاساسية في الموضوع. والاعتقاد شبه المسلّم به هنا هو ان عدم دعوة سوريا، يرجع إلى استمرار جو الجفاء العميق، الذي يخيم على العلاقات الفرنسية السورية، ورفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك الحديث مع الحكم السوري، الذي شن عليه هجوما فريدا من نوعه عشية عقد المؤتمر. واذا كان هذا هو الحال بين باريس ودمشق، فهو ليس كذلك بين باريس وطهران، فكل شيء يوحي بأن القنوات سالكة بين البلدين، إلى حد ان الرئيس الفرنسي كان يود قبل وقت قريب ارسال وزير خارجيته فيليب دوست بلازي إلى طهران، ثم عدل عن ذلك بحجة ان الإيرانيين لايثمنون جيدا الاشارات الايجابية التي تصدر عن باريس. وعلى ابواب انعقاد مؤتمر باريس كان هناك حديث بصوت عال، عن ايفاد مبعوث فرنسي خاص إلى طهران لبحث الوضع في لبنان. ولكن المشروع تم تجاوزه بذريعة ان دول المنطقة لم تحبذ الفكرة. وعدا هذا هناك سبب اضافي يستدعي دعوة إيران، وهو يتعلق بدخولها على خط مؤتمر باريس قبل انعقاده، من خلال دورها في التعويض على خسائر التدمير “الاسرائيلي”. لقد كانت هذه النقطة تستدعي التفاهم مع الإيرانيين، على وضع هذا الدعم في نفس مسار قناة الدعم الدولي، لكن لايخفى على أحد بأن المال الإيراني مرفوض في لبنان وفلسطين رسمياً.

ببساطة يمكن القول ان عين واشنطن المفتوحة على لبنان ترى أبعد من ذلك، وتذهب نحو العراق وفلسطين وافغانستان وحدود أخرى. ومن هنا لايمكن فصل حضورها بقوة في المؤتمر، عن استراتيجيتها الجديدة التي اطلقتها في العاشر من كانون الثاني /يناير الحالي، القائمة على الوعد بتدمير “الشبكات الارهابية”، التي تدعمها إيران وسوريا ومنعها من عبور الحدود. وقد نشرت صحيفة “واشنطن بوست” في الايام الماضية تفاصيل اكثر عن هذه الاستراتيجية، تتحدث عن اوامر اصدرها الرئيس جورج بوش لتفعيل عمليات طابعها سري ضد “عملاء إيران” في العراق وحزب الله في لبنان. واللافت في الامر هو ان خطة بوش للحد من التأثير الإيراني “من بيروت إلى كابول”، تهدف إلى “اضعاف التزام إيران جهودها النووية”. وتشير إلى ان “النشاط النووي الإيراني يصبو إلى تطور ما، وحلفاء الولايات المتحدة، يرفضون عقوبات شديدة ضد الحكومة الإيرانية”. وتقول الصحيفة، انه “خلال الصيف الماضي، قرر المسؤولون في الإدارة ان مقاربة مبنية على المواجهة اصبحت ضرورية، في وقت ازداد فيه التأثير الإيراني الاقليمي، وضعفت جهود واشنطن لعزل طهران”.

إن السياسة الجديدة مبنية على نظرية تفيد بأن طهران سوف تخفف من طموحها النووي، إذا قامت واشنطن بضربها بقسوة في العراق ومناطق اخرى، وبالتالي سيوجد هناك احساس بالهشاشة لدى قادة إيران. وقد صرح البيت الابيض بتوسيع “متاهة اللعبة الزرقاء” بحسب الادبيات الاستخبارية، وهي مجموعة من العمليات، المسموح بها، الممكن شنها على حزب الله، والعمل للاعداد لعقوبات دولية على إيران، واتخاذ اجراءات لإعاقة التمويل الذي تقدمه إيران المجموعات الفلسطينية المتطرفة (حماس) ولخفض المصالح الإيرانية مع الشيعة في جنوب افغانستان.

وسط هذه التطورات المتسارعة تتضح اكثر فأكثر مسألتان: الأولى، هي ان جهود الولايات المتحدة للحد من النشاط الإيراني في العراق لم تأت ثمارها، وبالتالي لا بد من توجيه الضغط مباشرة نحو طهران، أي ان الأسلوب الاجدى هو مواجهة طهران مباشرة، الأمر الذي يفسر الحشد الأمريكي البحري الكبير في المنطقة. والأمر الثاني هو ان هناك قناعة شبه ثابتة في الأوساط السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة وأوروبا، ومفادها انه إذا لم يتم التحرك الآن لوضع حد لطموحات إيران النووية وغير النووية، سوف يكون الامر متأخرا جدا، وعليه فإن تكاليف اي مواجهة تترتب على ذلك اليوم، هي اقل من تأجيلها.

إن المفارقة المثيرة للاهتمام هي ان بوش عاد من جديد ليعوض فشل استراتيجيته في العراق، على حساب بوعد النجاح في إيران.

موقع "اللغة العربية" من الإصلاح العربي

موقع "اللغة العربية" من الإصلاح العربي

د. طيب تيزيني

انطلقت حوارات خصبة وثرية على هامش "ندوة التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم" في العاصمة القطرية الدوحة، خلال الفترة من 22 إلى 25 يناير 2007، وذلك حول قضية اللغة العربية والاستحقاقات التي تواجهها ضمن ما يطرحه مثقفون ومفكرون وسياسيون عرب تحت عنوان: الإصلاح العربي باتجاه التطوير والتحديث الديمقراطيَّينْ. وقد تم ذلك بين مجموعة من المشاركين بكثير من الحيوية والرؤية النقدية. وظهر من هؤلاء مَن رأى أن القضية تستدعي البدء في التأسيس لمراكز استراتيجية تبحث في اللغة العربية في شقّيْن اثنين، واحدٍ يتجه نحو إنجاز مُعجم تاريخي لها، وآخر يركز على مسائلها الداخلية الراهنة، مثل تطويرها بحيث تستجيب لاحتياجات التقدم العلمي التكنولوجي والمعلوماتي وغيره. وأخذ أولئك يعقدون مقارنات خاصة وعامة بين اللغة العربية واللغات العالمية الراهنة في ضوء القدرة على الاستجابة لذلك التطور، وعلى تحويل هذه الاستجابة إلى ممارسة لغوية واعية.

إضافة إلى ذلك، تحدث بعض المتمرّسين بالترجمة من اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها إلى العربية، ومن هذه إلى تلك. وقدموا في هذا السياق مقارنات بين دقة المنظومات المفاهيمية والإصطلاحية المهيمنة في تلك اللغات الأوروبية، وبين ما اعتبروه قصوراً يعمّ اللغة العربية في هذا الحقل. وانتهى معظم المتحدثين إلى أن اللغة العربية تعيش حالة مزرية، تسهم في إعاقة المشروع الإصلاحي العربي المأتي على ذكره؛ مما يقتضي القيام بمهمة التأسيس لمثل تلك المراكز الاستراتيجية اللغوية، بوصفها مدخلاً إلى الحلول الحاسمة للقضية المعنية هنا، والتي استفحلت خصوصاً في المؤسسات الجامعية والأكاديمية القائمة في العالم العربي، إضافة إلى المدارس والتخاطب اللغوي بين الناس. وفي هذه الحال، يمكن تسجيل ملاحظة ذات دلالة مُرّة فاقعة وتتمثل في أن أعداداً كبيرة وآخذة في الاتساع من أساتذة اللغة العربية الجامعيين وأعداداً أخرى ضخمة وآخذة في التضخم الفاحش من معلمي المدارس، لم تعد اللغة العربية تعني شيئاً بالنسبة إليهم، فاللهجات المحلية في البلدان العربية تأخذ مكان اللغة العربية الفصيحة الدقيقة. ومن طرائف ذلك أنه في كثير أو قليل من الأحوال يقدم الأستاذ محاضرته باللهجة المعْنية، ليستثني من ذلك الأمثلة التي يكتبها على السبورة بلغة فصيحة. الإشكال يكمن في الشقِّ الأول من القضية، وهو القول بضرورة القيام بمهمات الإصلاح اللغوي العربي من موقع اللغة العربية ومن داخلها، دونما إشارة إلى حيثيات هذا الإصلاح في المجتمع المعنِي.

ها هنا برز السؤال الذي طرحناه على الزملاء، الذين صاغوا ذلك القول- ومن ضمنهم الصديق الأستاذ الدكتور محمد أركون-: أليس في عملية الانطلاق نحو إصلاح لغوي عربي من اللغة والحيّز اللغوي من داخلها قبل البحث في تلك الحيثيات، أمر قد يجعل من هذا الإصلاح أمراً غير محتمل حقاً، أو أمراً مجتزءاً ومنتزعاً من سياقه العام وفضائه المؤسَّس في البنية السوسيوثقافية والنفسية للمجتمع أو المجتمعات العربية؟ وتتسع دائرة التساؤل، حين نضع مقارنات بين اللغات الأوروبية التي عَبَرت عدة مراحل من التطور والتطوير، التي مرّت في التاريخ الأوروبي الوسيط والحديث والمعاصر، خصوصاً منها ما تعلق بمراحل الإصلاح الديني والنهضة والحداثة من طرف، وبين اللغة العربية التي انكفأت عن التطور والتحديث، يداً بيد مع انكفاء التطور والتحديث العربيّين على مجمل الأصعدة ومنذ عدة قرون بعد تفكك الحضارة العربية الوسيطة مع القرن الرابع عشر خصوصاً.

بل ربما في أساس الأمر، لا ينطلق الإصلاح اللغوي في ظروف تاريخية كالتي نعيشها في العالم العربي الراهن، من داخل اللغة العربية نفسها، بل إنه ينطلق من خارجها، أي من البنية السوسيوثقافية والنفسية والقيمية المهيمنة في المجتمعات العربية. وقد نسير أكثر إلى أمام، إذ نرى أن ذلك الإصلاح يمْثل في ثلاثة أنساق هي الحامل الاجتماعي البشري، والحامل السياسي السياسي، والحامل السوسيوثقافي والنفسي والقيمي، الفاعلة في تلك المجتمعات. بيد أن ذلك لا يجوز أن يعني أن الإصلاح اللغوي العربي يأتي لاحقاً على مسار تلك الحوامل الثلاثة، بل لعل الأمر يحتمل القول بنفي الرؤية الأحادية البُعد لتلك الثلاثة الأخيرة. فهنا- أولاً- لا تقوم على علاقة سابقة بلا حق، وإنما على تجادل بين الأطراف الثلاثة، وإن نشأت في لحظة أو أخرى ضرورة أسبقية طرفٍ على الطرفين الآخرين. هذا أولاً. أما من ناحية ثانية فإن الأمر-كذلك- لا يحتمل النظر إلى الإصلاح المذكور على أنه "ناتج القول" في انجاز الحوامل الثلاثة المشار إليها مهماتها، أو أنه يأتي بعد استكمال هذه المهمات. إن الأمر يقوم، ثانية، على التجادل بين تلك الأطراف كلها. وبكلمة أدق، إن إصلاحاً لغوياً للغة العربية هو بمثابة بداية لتقدم عميق ومتوازن للحياة الثقافية العربية في إطار المهمات المذكورة؛ وهو- كذلك- نهايته ومتْنه.

الاتحاد

ثقافة الأربع تسعات... 99.99%

ثقافة الأربع تسعات... 99.99%

الطاهر إبراهيم

أريد أن أعقد هدنة مع كل الذين جرت بيني وبينهم مناوشات سياسية أو اعترضوا على ما أكتب، وأن نحاول أن نلتقي على قواسم مشتركة بيننا، بحيث إذا ظهر أن هناك اختلافا في وجهات نظر قليلة إلى جانب القواسم المشتركة الكثيرة، فإننا نهمل القليل إلى جانب الكثير، لأن اللغة العربية تطلق الكل على الأكثر والأغلب، ولا حكم للقليل. واستطرادا، فإننا نجد مذهب الإمام أبي حنيفة يعتبر الطواف حول الكعبة وهو سبعة أشواط يتحقق بأربعة أشواط، ويقال أن الطواف أجزأ مع النقص، وتلك قضية أخرى.

السوريون سبقوا الآخرين في أمور كثيرة. فنجدهم أول من أدخل مصطلح المجتمع المدني في قاموس الحريات، وتبعتهم باقي النخب العربية. وكنت قرأت للباحث السوري الدكتور "عبد الرزاق عيد" مقالا تحت عنوان ثقافة الخوف، وأعجبتني المعالجة الوجدانية في المقال. – لا أدري إن كان قد سبقه غيره من العرب غير السوريين إلى مثل هذا الطرح- ثم تتابعت التسميات المقترنة بكلمة ثقافة، حتى صرنا نقرأ مقالات بعناوين مختلفة مثل ثقافة القمع أو ثقافة الإرهاب (هل هناك حقا للإرهاب والقمع ثقافة؟)، وثقافة الإكراه وثقافة الكراهية، ثم ثقافة تكميم الأفواه. ولعل البريق والبهرجة في هذه العناوين عند القراء لأنها تمس قضايا إنسانية يعاني منها أكثرية الشعب العربي.

ولأن ما عندي من ذخيرة حول موضوعات كنت أكتب فيها قد نضب أو كاد، أحببت أن أسير على منهج الدكتور "عيد" لعلي أعوض ما فاتني من مواضيع كانت أثيرة لدي، و"مالا يُدرَكُ كلُّه لا يُترَك جُلُّه" (هناك رواية لهذه الحكمة وردت عن الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى تقول: مالا يدرك كله لا يترك كله، ولعلها الأصح).

وللأسباب السابقة، ولأسباب غيرها أبدأ اليوم بنوع من الثقافة، كتب فيها غيري، ولا أزعم أني سبقت بها غيري هي ثقافة الأربع تسعات. وحتى لا يذهب القارئ بعيدا فيظن أنها لمنتج أطرحه في الأسواق لنوع من البسكوت أو المنظفات، أبادر فأقول إني ما أزال أخب داخل السياسة، ولكنها سياسة نوع آخر لا ينفجر في الوجه أو تحت السيارة "يودّيك" في داهية، أو يدخلك السجن، "كش برا وبعيد".

ولأن الموضوع قد يكون ذا شجون عند الكثيرين، منهم من يوافقك ومنهم من يعترض، لابد أن أشير هنا أن الكثرة ليست دائما محمودة أو أن القلة دائما مذمومة. فالمعادن الثمينة نادرة الوجود في الطبيعة، بينما الحديد الرخيص مبذول، والتراب الذي يكاد يكون لا قيمة له يملأ سهول الكرة الأرضية.

ولأن الموضوع الذي نكتبه يحتمل أن نشرق فيه ونغرب، نقول إن العملات كلما كبر الرقم الذي تختزنه كلما ضعفت قيمتها الشرائية، حتى أن العملة التركية تحتوي الورقة منها على مبالغ تعد بملايين الليرات التركية ولا تكاد تفي برسم دخول دورات المياه العامة (في تركيا كما في دول أخرى، لا بد من دفع رسوم على استعمال دورات المياه العامة).

قد يخفف من البلاء عندما يكون في عدة بلدان. فالرؤساء الذين كانت تأتي نتائج الاستفتاء على رئاستهم بنسب عالية غير محصورين في بلد عربي وحيد. بل يمكن أن يعد المرء ثلاث دول أو أربع في المنطقة كان الرؤساء يحصلون على نسب فلكية في استفتاء شعوبهم عليهم قد تصل إلى 99.99% من عدد المقترعين، مع أنه يكفيهم 51% حتى يحكم الرئيس وهو مطمئن بأنه جاء باختيار شعبي. الرئيس "جورج بوش" صار رئيسا للولايات المتحدة لأنه تفوق على خصمه "إل غور" بعدد قليل من الأصوات لا يزيد عن خمسة آلاف صوت في ولاية "فلوريدا" في ولايته الأولى التي بدأت قبل ست سنوات.

علماء النفس وعلماء الاجتماع، ونضيف إليهم علماء المعارضات السياسية، يؤكدون أن ما من رئيس في أي دولة - مهما كان محبوبا من شعبه - يحظى برضى أكثر من نصف الشعب إلا نادرا، لأن بعض من صوت له، إنما صوت رافضا لخصمه الأكثر سوءاً منه. وقديما قيل: "إرضاء الناس غاية لا تدرك". بل إن الشاعر الحكيم قال:

إن نصف الناس أعداءٌ لمنْ وُلّيَ الأحكام، هذا إن عَدَل.

في عهد الوحدة بين مصر وسورية في عام 1958 كانت نتائج الاستفتاءات تصل إلى أكثر من مائة بالمائة، حيث كان يقوم رئيس مخفر الشرطة بإملاء الصناديق "كيفيا". وعند تعداد الأوراق تصل النسبة إلى أرقام فلكية.

وإذا كان رئيس أقوى دولة في العالم بل الدولة العظمى الوحيدة، تفوّق على خصمه بخمسة آلاف صوت فقط، أفلا يحق لنا أن نتساءل عن الحكمة إذن من أن وسائل الإعلام تظهر أن الرئيس قد حاز على ثقة 99.99% من المواطنين؟ وإذا تواضع وزير الإعلام، جعلها 99.98% فقط. بل إن نتيجة الاستفتاء في إحدى الدول المنطقة أظهرت أن من صوتوا بـ لا في الاستفتاء لا يزيد عددهم عن 18 مواطنا. ومن عنده جواب عن هذه الحكمة فليتفضل مشكورا أن يخبرنا به، وله منا مزيد الشكر.

__________

* كاتب سوري

أخبار الشرق – 29 كانون الثاني- يناير 2007